الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا تَعْلِيلٌ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الْوِلَايَةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا يَحُولُ حَوْلَ صَاحِبِهَا شَيْءٌ مِنَ الْجَزَعِ وَالْحُزْنِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وَمَا يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ ( مَعَ ) مِنْ مَتْبُوعِيَّةِ الْمُتَّقِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمُ الْمُبَاشِرُونَ لِلتَّقْوَى، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا أَعْلَى مَرَاتِبِهَا أَعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَالتَّبَتُّلِ إِلَيْهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوَرِّثُ لِوِلَايَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ الْمَقْرُونَةِ بِبِشَارَةِ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَلِيُّ الَّذِينَ تَبَتَّلُوا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَنَزَّهُوا عَنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ سِرَّهُمْ عَنْهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ شَيْءٌ مِنْ مَطْلُوبٍ أَوْ مَحْذُورٍ فَضْلًا عَنِ الْحُزْنِ عَلَيْهِ فَوَاتًا أَوْ وُقُوعًا وَهُوَ الْمَعْنَى بِمَا بِهِ الصَّبْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ عَلَى أَوَّلِ الِاحْتِمَالَاتِ السَّالِفَةِ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّقْرِيبُ وَيَتِمُّ التَّعْلِيلُ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ التَّوَقِّي عَنِ الْمَعَاصِي لَا يَكُونُ مَدَارًا لِشَيْءٍ مِنَ الْعَزَائِمِ الْمُرَخَّصِ فِي تَرْكِهَا فَكَيْفَ بِالصَّبْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ وَرَدِيفَيْهِ وَإِنَّمَا مَدَارُهُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَإِنَّمَا أُوثِرَ عَلَيْهِ مَا فِي النَّظْمِ الْكَرِيمِ مُبَالَغَةً فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ أَجَلِّ النُّعُوتِ الْجَلِيلَةِ وَرَوَادِفِهِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ الَّذِي فِيهِ يَتَنَافَسُ الْمُتَنَافِسُونَ عَلَى مَا يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى مِنْ قَبِيلِ الْإِحْسَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَحَقِيقَةُ الْإِحْسَانِ الْإِتْيَانُ بِالْأَعْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَتَكْرِيرُ الْمَوْصُولِ لِلْإِيذَانِ بِكِفَايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ فِي وِلَايَتِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا تَتِمَّةً لِلْأُخْرَى، وَإِيرَادُ الْأُولَى فِعْلِيَّةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْحُدُوثِ كَمَا أَنَّ إِيرَادَ الثَّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإِفَادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِهَا شِيمَةً رَاسِخَةً لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ التَّقْوَى عَلَى الْإِحْسَانِ لِمَا أَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَوْصُولَيْنِ إِمَّا جِنْسُ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا إِمَّا هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْيَاعُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ مَدْحًا لَهُمْ وَثَنَاءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الْجَمِيلَيْنِ، وَفِيهِ رَمْزٌ إِلَى أَنَّ صَنِيعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُسْتَتْبَعٌ لِاقْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِهِ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عِنْدَ التَّعْزِيَةِ: اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صَابِرِينَ وَإِنَّمَا صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّاسِ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ فِي إِرْشَادِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ، وَإِلَى كَوْنِ الْجُمْلَةِ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِمَا سَبَقَ ذَهَبَ الْعَلَّامَةُ الطَّيِّبِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ حَبِيبَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُخَالِفِينَ وَنَهَاهُ عَنِ الْحُزْنِ عَلَى عِنَادِهِمْ وَإِبَائِهِمُ الْحَقَّ وَعَمَّا يَلْحَقُهُ مِنْ مَكْرِهِمْ وَخِدَاعِهِمْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ( إِنَّ اللَّهَ ) إِلَخْ أَيْ لَا تُبَالِ بِهِمْ وَبِمَكْرِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَلِيُّكَ وَمُحِبُّكَ وَنَاصِرُكَ وَمُبْغِضُهُمْ وَخَاذِلُهُمْ، وَعَمَّمَ الْحُكْمَ إِرْشَادًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْمُخَالِفِينَ وَبِخُذْلَانِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ وَذَكَرَ أَنَّ إِيرَادَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ اسْمِيَّةً وَبِنَاءَ مُحْسِنُونَ عَلَى ( هُمْ ) عَلَى سَبِيلِ التَّقْوَى مُؤْذِنٌ بِاسْتِدَامَةِ الْإِحْسَانِ وَاسْتِحْكَامِهِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِمْرَارِ التَّقْوَى لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا لَمْ يَعُدْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسَاءَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِمَا وَرَدَ « مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ». وَمَا ذُكِرَ مِنْ حَمْلِ التَّقْوَى عَلَى أَعْلَى مَرَاتِبِهَا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَيَانِهِ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: اتَّقُوا فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَأَحْسِنُوا فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَيُوهِمُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالْمُعَاقَبَةِ بِالْمِثْلِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى إِنَّ اللَّهَ بِالْعَوْنِ وَالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ مَعَ الَّذِينَ خَافُوا عِقَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَشْفَقُوا مِنْهُ فَشَفِقُوا عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ الْإِسْرَافِ فِي الْمُعَاقَبَةِ، وَفَسَّرَ الْإِحْسَانَ بِتَرْكِ الْإِسَاءَةِ كَمَا قِيلَ. تَرْكُ الْإِسَاءَةِ إِحْسَانٌ وَإِجْمَالٌ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْبُعْدِ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى تَعْلِيمٍ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الدَّعْوَةِ وَتَرْكِ التَّعَدِّي وَالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مَعَ الْبِشَارَةِ لِلْمُتَّقِينَ الْمُحْسِنِينَ، وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ هَرَمِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضَارِ: أَوْصِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْوَصِيَّةُ مِنَ الْمَالِ وَلَا مَالَ لِي وَأُوصِيكُمْ بِخَوَاتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ هَذَا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية