الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ هُمْ خُزَاعَةُ وَكِنَانَةُ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَأَنَّهُمْ لِجَهْلِهِمْ زَعَمُوا تَأْنِيثَهَا وَبُنُوَّتَهَا، وَقَالَ الْإِمَامُ: أَظُنُّ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الْبَنَاتِ لِاسْتِتَارِهَا عَنِ الْعُيُونِ كَالنِّسَاءِ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْتَتِرِ عَنِ الْعُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الْبَاهِرِ وَنُورِهِ الْقَاهِرِ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ. وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْجِنَّ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي مِثْلِهِ الِاطِّرَادُ، وَقِيلَ: أَطْلَقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ لِلِاسْتِتَارِ مَعَ كَوْنِهَا فِي مَحَلٍّ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْأَغْيَارُ فَهِيَ كَبَنَاتِ الرَّجُلِ اللَّاتِي يَغَارُ عَلَيْهِنَّ فَيُسْكِنُهُنَّ فِي مَحَلٍّ أَمِينٍ وَمَكَانٍ مَكِينٍ، وَالْجِنُّ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَتِرِينَ لَكِنْ لَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَأَمَّا عَدَمُ التَّوَالُدِ فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ. سُبْحَانَهُ تَنْزِيهٌ وَتَقْدِيسٌ لَهُ تَعَالَى شَأْنُهُ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِ ذَلِكَ أَوْ تَعْجِيبٌ مِنْ جَرَاءَتِهِمْ عَلَى التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ تِلْكَ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ وَفِي الثَّانِي مَجَازٌ. وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ يَعْنِي الْبَنِينَ وَ(مَا) مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ الْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَسُبْحَانَهُ اعْتِرَاضٌ فِي حَاقَ مَوْقِعُهُ، وَجَوَّزَ الْفَرَّاءُ وَالْحَوْفِيُّ أَنَّهُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى ( الْبَنَاتِ ) كَأَنَّهُ قِيلَ: وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَدِّي فِعْلِ الْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ بِالْفَاعِلِيَّةِ وَكَذَا الظَّاهِرُ إِلَى ضَمِيرِهِ الْمُتَّصِلِ سَوَاءٌ كَانَ تَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِحَرْفِ الْجَرِّ إِلَّا فِي بَابِ ظَنَّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ فَقْدٍ وَعُدْمٍ فَلَا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ بِمَعْنَى ضَرَبَ نَفْسَهُ وَلَا زَيْدٌ مَرَّ بِهِ أَيْ مَرَّ هُوَ بِنَفْسِهِ وَيَجُوزُ زَيْدٌ ظَنَّهُ قَائِمًا وَزَيْدٌ فَقَدَهُ وَعَدِمَهُ فَلَوْ كَانَ مَكَانَ الضَّمِيرِ اسْمًا ظَاهِرًا كَالنَّفْسِ نَحْوَ زَيْدٌ ضَرَبَ نَفْسَهُ أَوْ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا نَحْوَ زَيْدٌ مَا ضَرَبَ إِلَّا إِيَّاهُ وَمَا ضَرَبَ زَيْدٌ إِلَّا إِيَّاهُ جَازَ، فَإِذَا عُطِفَ «مَا» عَلَى ( الْبَنَاتِ ) أَدَّى إِلَى تَعْدِيَةِ فِعْلِ الْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ وَهُوَ وَاوُ ( يَجْعَلُونَ ) إِلَى ضَمِيرِهِ الْمُتَّصِلِ وَهُوَ (هُمْ) الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ فِي غَيْرِ مَا اسْتُثْنِيَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ- لِأَنْفُسِهِمْ- وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ إِنَّمَا هُوَ تَعَدِّي الْفِعْلَ بِمَعْنَى وُقُوعِهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا جُرَّ بِالْحَرْفِ نَحْوَ زَيْدٌ مَرَّ بِهِ فَإِنَّ الْمُرُورَ وَاقِعٌ بِزَيْدٍ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنَّ الْجَعْلَ لَيْسَ وَاقِعًا بِالْجَاعِلِينَ بَلْ بِمَا يَشْتَهُونَ، وَمُحَصِّلَهُ- كَمَا قَالَ الْخَفَاجِيُّ- الْمَنْعُ فِي الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلُ فِي الْمُتَعَدِّي بِالْحَرْفِ بَيْنَ مَا قَصَدَ الْإِيقَاعَ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي لِعَدَمِ إِلْفِ إِيقَاعِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ. وَأَبُو حَيَّانَ اعْتَرَضَ الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مَرْيَمَ: 25]. وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ [الْقَصَصِ: 32] وَالْعَلَّامَةُ الْبَيْضَاوِيُّ أَجَابَ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَعَدَّى الْفِعْلُ أَوَّلًا لَا ثَانِيًا وَتَبَعًا فَإِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ وَجَوَّزَ فِي الْمُتَعَدِّي بِالْحَرْفِ كَمَا هُنَا وَارْتَضَاهُ الشَّاطِبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ، وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ : هُوَ قَوِيٌّ عِنْدِي لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَطْفَ هُنَا بَعْدَ هَذَا الْقِيلِ وَالْقَالِ يُؤَدِّي إِلَى جَعْلِ الْجَعْلِ بِمَعْنًى يَعُمُّ الزَّعْمَ وَالِاخْتِيَارَ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية