الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج ( بَابُ النَّجَاسَةِ وَإِزَالَتُهَا ) قِيلَ كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهَا عَنْ التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا قَبْلَهَا لَا عَنْهَا أَوْ تَقْدِيمُهَا عَقِبَ الْمِيَاهِ ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ لِهَذَا الصَّنِيعِ وَجْهًا أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ إزَالَتَهَا لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى مَا مَرَّ وَكَانَ لَا بُدَّ فِي بَعْضِهَا مِنْ تُرَابِ التَّيَمُّمِ كَانَتْ آخِذَةً طَرَفًا مِمَّا قَبْلَهَا وَمِمَّا بَعْدَهَا فَتَوَسَّطَتْ بَيْنَهُمَا إشَارَةً لِذَلِكَ ( هِيَ ) لُغَةً الْمُسْتَقْذَرُ وَشَرْعًا بِالْحَدِّ مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ وَحُدَّتْ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مُرَاجَعَتِهِ لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ وَعِزَّةِ أَكْثَرِهَا وَبِالْعَدِّ وَسَلَكَهُ لِسُهُولَةِ مَعْرِفَتِهَا بِهِ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ أَوْ تَكْمُلُ بِالطَّهَارَةِ وَإِلَى أَنَّ مَا عَدَا مَا ذَكَرَهُ وَنَحْوَهُ طَاهِرٌ ( كُلُّ مُسْكِرٍ ) أَيْ صَالِحٍ لِلْإِسْكَارِ فَدَخَلَتْ الْقَطْرَةُ مِنْ الْمُسْكِرِ وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا مُطْلَقُ الْمُغَطِّي لِلْعَقْلِ لَا ذُو الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَإِلَّا لَمْ يُحْتَجْ لِقَوْلِهِمْ ( مَائِعٍ ) كَخَمْرٍ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْعِنَبِ ، وَنَبِيذٍ وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهَا رِجْسًا وَهُوَ شَرْعًا النَّجَسُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَةُ مَا بَعْدَهَا فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ النَّجَسَ إمَّا مَجَازٌ فِيهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَائِزٌ وَعَلَى امْتِنَاعِهِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ هُوَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مُطْلَقِ الْمُسْتَقْذَرِ وَاسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعَانِيهِ جَائِزٌ اسْتِغْنَاءً بِالْقَرِينَةِ كَمَا فِي الْآيَةِ فَانْدَفَعَ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } وَخَرَجَ بِالْمَائِعِ نَحْوُ الْبَنْجِ وَالْحَشِيشِ وَالْأَفْيُونِ وَجَوْزَةِ الطِّيبِ وَكَثِيرِ الْعَنْبَرِ وَالزَّعْفَرَانِ فَهَذِهِ كُلُّهَا مُسْكِرَةٌ لَكِنَّهَا جَامِدَةٌ فَكَانَتْ طَاهِرَةً وَالْمُرَادُ بِالْإِسْكَارِ هُنَا الَّذِي وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فِي نَحْوِ الْحَشِيشِ مُجَرَّدُ تَغْيِيبِ الْعَقْلِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ وَمَا ذَكَرَتْهُ فِي الْجَوْزَةِ مِنْ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَأَنَّهَا حَرَامٌ صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمَتْنِ جَامِدُ الْخَمْرِ وَدُرْدِيُّهُ وَلَا ذَائِبُ نَحْوِ حَشِيشٍ لَمْ تَصِرْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ نَظَرًا لِأَصْلِهِمَا ( وَكَلْبٌ ) لِلْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا مَعَ التَّعْفِيرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَبُّدِ إلَّا لِدَلِيلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ( وَخِنْزِيرٌ ) لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ إذْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ بِحَالٍ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ فَلَا يَرِدُ نَحْوُ الْحَشَرَاتِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى قَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ حاشية ابن قاسم العبادي ( بَابُ النَّجَاسَةِ ) قَوْلُهُ وَقَدْ يُجَابُ إلَخْ ) قَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهَا أُخِّرَتْ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِمَا تَقْدِيمُ إزَالَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي مُقَارَنَةُ إزَالَتِهَا لَهُمَا وَقُدِّمَتْ عَلَى التَّيَمُّمِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ تَقْدِيمُ إزَالَتِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ ( قَوْلُهُ مُسْتَقْذَرٌ ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ اعْتِبَارُ الِاسْتِقْذَارِ فِيهَا يُنَاقِضُ اعْتِبَارَ عَدَمِهِ فِي الْحَدِّ الْآخَرِ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ كَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا إلَى أَنْ قَالَ لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا إلَخْ وَنَفْيُهُ فِي قَوْلِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ ، كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ كَغَيْرِهِ لِحُرْمَةِ تَنَاوُلِهَا قَالَ تَعَالَى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } وَتَحْرِيمُ مَا لَيْسَ بِمُحْتَرَمٍ وَلَا مُسْتَقْذَرٍ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ ا هـ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فَدَخَلَتْ الْقَطْرَةُ ) فِي هَذَا التَّفْرِيعِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْإِسْكَارِ فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يُزَادَ عَقِبَ قَوْلِهِ صَالِحٍ لِلْإِسْكَارِ ، قَوْلُهُ وَلَوْ بِانْضِمَامِهِ لِمِثْلِهِ أَوْ يَقُولُ مُسْكِرٌ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ نَوْعِهِ ( قَوْلُهُ هُوَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ ) قَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ النَّجَسِ وَغَيْرِهِ مَجَازًا فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تُفْهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَمْرِ هُوَ النَّجَسُ ، وَأَيُّ قَرِينَةٍ لِذَلِكَ وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ الرَّاجِعَ لِلْخَمْرِ هُوَ النَّجَسُ وَأَيُّ قَرِينَةٍ لِذَلِكَ فَتَدَبَّرْ فَأَيُّ انْدِفَاعٍ لِمَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا مَعَ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ وَتَعَجَّبَ ( قَوْلُهُ وَكَثِيرُ الْعَنْبَرِ ) اُنْظُرْ التَّقْيِيدَ بِالْكَثِيرِ هُنَا وَتَرْكَهُ فِيمَا قَبْلَهُ ( قَوْلُهُ لَمْ تَصِرْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ ) أَمَّا إذَا صَارَتْ فِيهِ فَلَا إشْكَالَ فِي نَجَاسَتِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي نَجَاسَةِ الْبُوظَةِ وَزَعْمُ طَهَارَتِهَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْ تَأَمُّلٍ صَحِيحٍ وَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية