الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - ثنا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ يَتِيمٍ لَهُ عُصْبَةٌ أَغْنِيَاءُ أَيُجْبَرُونَ عَلَى أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ ؟ قَالَ عَطَاءٌ : نَعَمْ ، يُنْفِقُونَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا كَانُوا يَرِثُونَهُ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أرنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : يُجْبَرُ الرَّجُلُ إذَا كَانَ مُوسِرًا عَلَى نَفَقَةِ أَخِيهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا - : وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ : إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا فَيُنْفَقُ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ نَصِيبِهِ - يَعْنِي مِنْ الْمِيرَاثِ - إنْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أُنْفِقَ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ . وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُسَدَّدٌ نا هُشَيْمٌ نا مَنْصُورٌ عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : يُجْبَرُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَرِثُ - يَعْنِي فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْمَوْرُوثِ - . وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } قَالَ : رَضَاعُ الصَّغِيرِ . وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } . عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ مَا عَلَى أَبِيهِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لَهُ . وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي : أَنَّهُ قَالَ فِي رَضَاعِ الصَّبِيِّ يَمُوتُ أَبُوهُ أَنَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } قَالَ : هُوَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَهَؤُلَاءِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ . وَمِنْ التَّابِعِينَ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَشُرَيْحٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، لِأَنَّهَا تَقَاسِيمُ كَثِيرَةٌ سَخِيفَةٌ لَمْ يُوجِبْهَا قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلَا قِيَاسٌ ، وَلَا احْتِيَاطٌ ، وَلَا مَعْقُولٌ ، وَلَا قَالَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ - فَمَا نَعْلَمُهُ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَلَا نَعْلَمُهُ يُحْتَجُّ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يُمَوِّهَ مُمَوِّهٌ بِأَنْ يَقُولَ : قَدْ أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ الصِّغَارِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا بَاطِلٌ ، لِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ : أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي ضَبْطَ الْإِجْمَاعِ إلَّا كَاذِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا ، مَعَ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ - وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا فَرْقَ . وَأَمَّا قَوْلُ حَمَّادٍ فَإِنَّهُ خَصَّ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ دُونَ الْمَوْرُوثِ بِلَا دَلِيلٍ . فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } . وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَاهُ قَبْلُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا } . فَأَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَقًّا لِذِي الْقُرْبَى وَلِلْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ - وَأَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْعَطِيَّةَ لِلْأَقَارِبِ . فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ : حَقُّهُ الصِّلَةُ وَتَرْكُ الْقَطِيعَةِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، هَذَا حَقُّهُ ، وَالصِّلَةُ : هِيَ أَنْ لَا يَدَعَهُ يَسْأَلَ وَيَتَكَفَّفَ ، أَوْ يَمُوتَ جَوْعًا أَوْ بَرْدًا ، أَوْ ضَيَاعًا ، أَوْ يُضْحِي لِلشَّمْسِ وَالْمَطَرِ وَالرِّيحِ وَالْبَرْدِ ، وَهُوَ ذُو فَضْلَةٍ مِنْ مَالٍ هُوَ عَنْهَا فِي غِنًى ، وَلَيْسَ فِي الْقَطِيعَةِ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَا . فَإِنْ قَالُوا : إنَّهُ قَدْ قَرَنَ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، وَحَقُّ الْمَسَاكِينِ عَلَى كُلِّ مَنْ بِحَضْرَتِهِمْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ فَرْضًا يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَقْضِي الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ بِهِ ، وَكَذَلِكَ حَقُّ ابْنِ السَّبِيلِ ضِيَافَتُهُ ، فَإِنْ قِيلَ : مَنْ هُمْ ذَوُو الْقُرْبَى هَؤُلَاءِ ؟ قُلْنَا : كُلُّ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُنْتَسِلُونَ مِنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَامْرَأَتِهِ ، وَابْنًا بَعْدَ ابْنٍ ، وَوِلَادَةً بَعْدَ وِلَادَةٍ ، إلَى أَبِ الْإِنْسَانِ الْأَدْنَى وَأُمِّهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ يُبَيِّنُ مَنْ هُمْ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِمْ ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا - : مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أرنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ ؟ فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ ، قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ ، قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : تَصَدَّقُ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ ، أَوْ قَالَ : عَلَى زَوْجِكَ ، قَالَ عِنْدِي آخَرُ ، قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ ، قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْتَ أَعْلَمُ } . وَرُوِّينَا هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أرنا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا جَمِيعًا : نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ : نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَصَدَّقُوا فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ ؟ قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ ، قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ ، قَالَ : عِنْدِي آخَرُ قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ ، قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْتَ أَبْصَرُ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَاخْتَلَفَ سُفْيَانُ ، وَيَحْيَى ، فَقَدَّمَ سُفْيَانُ الْوَلَدَ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَقَدَّمَ الْقَطَّانُ الزَّوْجَةَ عَلَى الْوَلَدِ ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقَدَّمَ الْوَلَدُ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَلَا الزَّوْجَةُ عَلَى الْوَلَدِ ، بَلْ يَكُونَانِ سَوَاءً ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَرِّرُ كَلَامَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَمُمْكِنٌ أَنْ يُكَرِّرَ فُتْيَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَاهُنَا كَذَلِكَ ، فَمَرَّةً قَدَّمَ الْوَلَدَ ، وَمَرَّةً قَدَّمَ الزَّوْجَةَ ، فَصَارَ سَوَاءً مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِهِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ إذْ سَأَلَتْهُ إبَاحَةً مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجِهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ } فَقَرَنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَلَدِ سَوَاءً . ثُمَّ وَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نا يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ نا أَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ قَالَ : { دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ : أُمَّكَ ، وَأَبَاكَ ، وَأُخْتَكَ ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ } . وَهَذِهِ أَخْبَارٌ صِحَاحٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ ، فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ آمِرًا بِأَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ يَعُولُ ، وَهُمْ : الْأَبَوَانِ ، وَالْإِخْوَةُ ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ هَؤُلَاءِ مُبْدُونَ مَعَ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ . وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ " أُمٌّ " وَكُلَّ جَدٍّ " أَبٌ " وَكُلَّ ابْنِ ابْنَةٍ وَابْنٍ " ابْنٌ " وَابْنَةِ ابْنٍ وَابْنَةٍ " ابْنَةٌ " كُلُّهُمْ ابْنٌ وَابْنَةٌ - فَصَحَّ نَصًّا مَا قُلْنَا . وَأَنَّ بَعْدَ هَؤُلَاءِ : الْأَدْنَى الْأَدْنَى ، وَفِي هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ ، مِنْ : عَمٍّ وَعَمَّةٍ ، وَخَالٍ وَخَالَةٍ ، وَابْنِ أُخْتٍ وَبِنْتِ أُخْتٍ ، وَابْنِ أَخٍ وَابْنَةِ أَخٍ : يَقِينًا . ثُمَّ وَجَدْنَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } . فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَارِثِ مَعَ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ ، وَخَرَجَ مَنْ لَيْسَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ ، وَلَا وَارِثًا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ ، وَمِنْ تَخْصِيصِهِ بِالنَّفَقَةِ - مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ - لِأَنَّهُ كَسَائِرِ مَنْ أَدْلَتْهُ الْوَلَّادَاتُ - وِلَادَةً بَعْدَ وِلَادَةٍ - إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَيْسَتْ وِلَادَةً بِأَوْلَى مِنْ الَّتِي فَوْقَهَا بِأَبٍ ، فَلَمْ يَجُزْ إيجَابُ فَرْضِ إخْرَاجِ الْمَالِ عَنْ يَدِ مَالِكِهِ إلَى آخَرَ إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ ، وَلَا نَصَّ إلَّا فِيمَنْ ذَكَرْنَا . وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ وِلَادَةً أَكْثَرَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا بِغَيْرِ نَصٍّ ، فَإِنْ عَمَّ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى جَمِيعِ وَلَدِ آدَمَ ، وَالنُّصُوصُ كُلُّهَا لَا تُوجِبُ ذَلِكَ ، إلَّا فِي خَاصٍّ مِنْهَا ، لِتَفْرِيقِهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِلَا شَكٍّ . فَصَحَّ أَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ وِلَادَاتِ بَعْضِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ دُونَ بَعْضٍ - فَصَحَّ مَا قُلْنَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } فَقَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُضَارَّ ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ لَا تَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ ، وَإِمَّا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ مَعْنَاهُ - لَا يُضَارُّ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ . وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ : أَنَّ رَضَاعَ الصَّغِيرِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يُرَدُّ الْمِيرَاثُ لِأَهْلِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّهُ تَمْوِيهٌ مِنْ الْمُخَالِفِ ، وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ ، وَبِهِ نَقُولُ ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ ( عَلَى الْوَارِثِ أَنْ لَا يُضَارَّ ) قَوْلٌ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ جَوْعًا وَبَرْدًا - وَهُوَ غَنِيٌّ - فَلَا يَرْحَمُهُ بِأَكْلَةٍ ، وَلَا بِشَيْءٍ يَسْتُرُهُ بِهِ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْمَوْتُ مِنْ الْبَرْدِ ، وَهَذَا عَيْنُ الْمُضَارَّةِ ، بِلَا شَكٍّ عِنْدَ أَحَدٍ . أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ " إنَّ رَضَاعَ الصَّغِيرِ فِي نَصِيبِهِ " فَقَوْلٌ صَحِيحٌ إذَا كَانَ لَهُ مِيرَاثٌ مِنْ مَالٍ ، وَنَحْنُ لَمْ نُوجِبُ مُؤْنَتَهُ عَلَى وَارِثِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَصْلًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرْمِيَ وَلَدَهَا إلَى أَبِيهِ - إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً - وَإِلَى عُصْبَتِهِ - إنْ كَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا - وَأَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا رَضَاعَ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } . فَوَجَبَ إجْبَارُ الْأُمِّ - أَحَبَّتْ أَمْ كَرِهَتْ - عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهَا حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - أَحَبَّ زَوْجُهَا أَمْ كَرِهَ - وَأَنْ تُجْبَرَ عَلَى أَنْ لَا تُضَارَّ بِوَلَدِهَا وَلَا ضِرَارَ أَكْثَرَ مِنْ مَنْعِهِ رَضَاعَهَا ، وَلَا يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ - وَلَوْ أَنَّهَا بِنْتُ الْخَلِيفَةِ - غَيْرَ هَذَا ، إلَّا الْمُطَلَّقَةَ ، فَإِنَّهَا إنْ تَعَاسَرَتْ هِيَ وَأَبُو الصَّغِيرِ بِأَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى أُجْرَةٍ يَتَرَاضَيَانِ بِهَا - وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِهَا - فَهَذِهِ يَسْتَرْضِعُ الْمُطَلِّقُ لَهَا أُخْرَى أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } . وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَا سَمْعًا وَلَا طَاعَةً لِمَنْ عَنَدَ عَنْهُ . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : { أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ فِي الْمُخْتَلِعَةِ مِنْ جَدِّهِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الشَّمَّاسِ أَنَّهَا كَانَتْ جَمِيلَةَ بِنْتَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ غُلَامًا فَجَعَلَتْهُ فِي لِيفٍ وَأَرْسَلَتْ بِهِ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَنْ خُذْ عَنِّي صَبِيَّكَ ؟ فَأَتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَنَّكَهُ ، وَاسْتَرْضَعَ لَهُ ، وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا نَصُّ مَا قُلْنَا كَانَتْ مُخْتَلِعَةً مُطَلَّقَةً أَبْغَضَ النَّاسُ فِيهِ مُعَاشَرَةً لَهُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا يَجُوزُ - إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كَثِيرًا - أَنْ يُنْفِقُوا عَلَى الْمُحْتَاجِ إلَّا عَلَى دُورِهِمْ ، لَا عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ ، لِأَنَّ النَّصَّ سَوِيٌّ بَيْنَهُمْ بِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَلَا تَجُوزُ الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَهُمْ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ هُوَ هَذَا الْوَارِثُ ؟ أَهُوَ وَارِثُ الْأَبِ الْمَيِّتِ ، أَمْ وَارِثُ الَّذِي تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ ؟ قُلْنَا : هَذَا تَعَسُّفٌ وَتَكَلُّفٌ يَأْثَمُ السَّائِلُ ، لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِوَالِدِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } . فَفِي { الْوَارِثِ } ضَمِيرُ هُوَ أَنَّهُ يَقْتَضِي مَوْرُوثًا وَلَا بُدَّ ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي لَهُ الْحُكْمُ وَاَلَّذِي مَنَعَ أَبَوَاهُ مِنْ الْمُضَارَّةِ بِهِ هُوَ الْوَلَدُ بِلَا شَكٍّ ، وَلَا مَعْنَى لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ فِي ذَوِي الرَّحِمِ خَاصَّةً . وَأَمَّا فِي الْوِرَاثَةِ - فَلَا مِيرَاثَ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ . وَأَمَّا قَوْلُنَا : إنَّهُ إنْ كَانَ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا كَسْبٌ يَقُومُ بِهِ بِنَفْسِهِ - وَإِنْ كَانَ خَسِيسًا مِنْ الْكَسْبِ - فَلَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقُومَ بِنَفَقَتِهِمْ حِينَئِذٍ إلَّا الْآبَاءُ ، وَالْأُمَّهَاتُ ، وَالزَّوْجَاتُ ، فَقَطْ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَصُونَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ يَقُولُ : { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ ، وَلَيْسَ فِي الْعُقُوقِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ غَنِيًّا ذَا حَالٍ وَيَتْرُكَ أَبَاهُ ، أَوْ جَدَّهُ يَكْنُسُ الْكَنَفَ ، أَوْ يَسُوسُ الدَّوَابَّ ، وَيَكْنُسُ الزِّبْلَ ، أَوْ يَحْجُمُ ، أَوْ يَغْسِلُ الثِّيَابَ لِلنَّاسِ ، أَوْ يُوقِدُ فِي الْحَمَّامِ - وَيَدَعُ أُمَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ تَخْدِمُ النَّاسَ ، وَتَسْقِي الْمَاءَ فِي الطُّرُقِ - فَمَا خَفَضَ لَهُمَا جُنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ مَنْ فَعَلٌ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي النُّفُوسِ كُلِّهَا اخْتِلَافَ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ إلَى مَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَجَاءَتْ النُّصُوصُ بِبَيَانِ ذَلِكَ . فَالْإِحْسَانُ إلَى الْأَبَوَيْنِ : الصَّبْرُ لِجَفَائِهِمَا ، وَتَوْقِيرُهُمَا ، وَتَعْظِيمُهُمَا ، وَطَاعَتُهُمَا مَا لَمْ يَأْمُرَا بِمَعْصِيَةٍ ، قَالَ تَعَالَى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } فَهُمَا وَإِنْ أَمَرَا بِالشِّرْكِ فَوَاجِبٌ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُصْحَبَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي كُلَّ مَا قُلْنَا . وَالْإِحْسَانُ إلَى ذِي الْقُرْبَى : أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ الْأَذَى ، وَأَنْ يُكْرِمَهُمْ وَيَحُوطَهُمْ ، وَيَقُومَ فِي أُمُورِهِمْ ، وَأَنْ لَا يُسْلِمَهُمْ إلَى ضَرَرٍ . وَالْإِحْسَانُ إلَى الْمَسَاكِينِ : الصَّدَقَةُ بِالْفَضْلِ حَتَّى يَشْبَعُوا أَوْ يَكْتَسِبُوا ، وَيَكُونَ لَهُمْ مَرْقَدٌ يَأْوُونَ إلَيْهِ ، وَمَنْ يَقُومُ بِمَرْضَاهُمْ . وَالْإِحْسَانُ إلَى الْيَتَامَى ، وَرَحْمَتُهُمْ ، وَتَعْلِيمُهُمْ ، وَالْقِيَامُ بِهِمْ حَتَّى لَا يَضِيعُوا . وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجَارِ : كَفُّ الْأَذَى ، وَالْبِرُّ ، وَاللِّقَاءُ بِالْبِشْرِ ، وَالْإِكْرَامُ وَحِمَايَتُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ - وَكَذَلِكَ الْإِحْسَانُ إلَى الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ نَحْوُ ذَلِكَ . وَالْإِحْسَانُ إلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَنَا : إطْعَامُهُمْ مِمَّا نَأْكُلُ ، وَكِسْوَتُهُمْ مِمَّا نَلْبَسُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَنْ لَا نُكَلِّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ ، وَأَنْ لَا يُسَبُّوا فِي غَيْرِ وَاجِبٍ ، وَأَنْ لَا يُضْرَبُوا فِي غَيْرِ حَقٍّ - فَهَذَا كُلُّهُ وَاجِبٌ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا صِيَانَةُ الزَّوْجَةِ - فَلِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَفَقَتَهَا ، وَكِسْوَتَهَا ، وَإِسْكَانَهَا ، وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا - وَإِنْ كَانَتْ أَغْنَى مِنْ الزَّوْجِ - وَهَذَا يَقْتَضِي صِيَانَتَهَا عَنْ كُلِّ خِدْمَةٍ ، وَكُلِّ عَمَلٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ . وَأَمَّا كُلُّ مَنْ عَدَا الزَّوْجَةِ - فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ ، وَلَا كِسْوَةَ ، وَلَا إسْكَانَ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مِنْ الْمَالِ ، أَوْ الصَّنْعَةِ مَا يَقُومُونَ مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ . وَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ الزَّمَانَةِ فِي ذَلِكَ إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ . فَإِنْ قَامُوا بِبَعْضِ ذَلِكَ وَعَجَزُوا عَنْ الْبَعْضِ : وَجَبَ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا أَنْ يَقُومَ بِمَا عَجَزُوا عَنْهُ فَقَطْ . وَيَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا كَمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ ، إلَّا نَفَقَةُ الْوَلَدِ ، فَمَا دَامَ الْأَبُ قَادِرًا عَلَيْهَا فَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ - هَذَا عَمَلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، فَإِنْ عَجَزَ الْأَبُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ مَاتَ ، وَلَا مَالَ لَهُمْ ، فَحِينَئِذٍ يُقْضَى بِنَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ عَلَى أُمِّهِمْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } . وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَّةِ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ غَنِيَّةً وَهُمْ يَسْأَلُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ ، وَلِأَنَّ الْأَوَامِرَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي جَاءَتْ مَجِيئًا وَاحِدًا لَمْ يُخَصَّ بِهَا رَجُلٌ مِنْ امْرَأَةٍ . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا وَهْبٌ - وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا هِشَامٌ - هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أُمِّهَا { أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلِمَةَ إنْ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ - وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ - هَكَذَا وَهَكَذَا ، إنَّمَا هُمْ بَنِيَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ } . فَهَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُخْبِرُ أَنَّهَا تُنْفِقُ عَلَى بَنِيهَا وَلَيْسَتْ بِتَارِكَتِهِمْ يَضِيعُونَ إنَّمَا هُمْ بَنُوهَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ ، وَلَا أَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَلَيْسَ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ ، وَلَا عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِمَطْعَمِ أَبِيهِ ، وَمَلْبَسِهِ ، وَمُؤْنَةِ خِدْمَتِهِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية