الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 5518 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : فَإِنْ أَعْتَقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ ، أَوْ وَطِئَهَا ، بَطَلَ خِيَارُهَا ، عَلِمَتْ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَمْ تَعْلَمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي ، مَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ; عِتْقِ زَوْجِهَا ، أَوْ وَطْئِهِ لَهَا ، وَلَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا وَمِمَّنْ قَالَ : إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ; مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَنَافِعٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ وَحَكَاهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ : لَهَا الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَلِلشَّافِعِي ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ; أَظْهَرُهَا كَقَوْلِنَا . وَالثَّانِي ، أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ . وَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي " الْمُسْنَدِ " ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : سَمِعْت رِجَالًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ ، مَا لَمْ يَطَأْهَا ، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا } . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا . وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، { أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ ، عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهَا : إنْ قَرُبَك فَلَا خِيَارَ لَك } . وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ . وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ ، فَثَبَتَ ، كَخِيَارِ الْقِصَاصِ ، أَوْ خِيَارٍ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ ، فَأَشْبَهَ مَا قُلْنَا . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى عَتَقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ ، سَقَطَ خِيَارُهَا ; لِأَنَّ الْخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ ، وَقَدْ زَالَ بِعِتْقِهِ ، فَسَقَطَ ، كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَيْبُهُ . وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ وَطِئَهَا بَطَلَ خِيَارُهَا ، عَلِمَتْ بِالْخِيَارِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ . وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَإِنْ أُصِيبَتْ ، مَا لَمْ تَعْلَمْ ، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ عِلْمِهَا ، فَلَا خِيَارَ لَهَا . وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّهَا إذَا أَمْكَنَتْ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا ، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ تُصَبْ . وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ ، يُقَال لَهَا : زَبْرَاءُ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ، فَعَتَقَتْ ، قَالَتْ : فَأَرْسَلَتْ إلَى حَفْصَةَ ، فَدَعَتْنِي ، فَقَالَتْ : إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسَّك زَوْجُك ، فَإِنْ مَسَّك ، فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ . فَقُلْت : هُوَ الطَّلَاقُ ، ثُمَّ الطَّلَاقُ [ ثُمَّ الطَّلَاقُ ] . فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا . وَلِأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ ، فَيَسْقُطُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مَعَ الْجَهَالَةِ ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ . وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا ، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِالْعِتْقِ ، وَهِيَ مِمَّنْ يَجُوزُ خَفَاءُ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، مِثْلُ أَنْ يَعْتِقَهَا سَيِّدُهَا فِي بَلَدٍ آخِرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهَا ، لِكَوْنِهِمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ . وَإِنْ عَلِمَتْ الْعِتْقَ ، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهَا فِيهِ . وَلِلشَّافِعِي فِي قَبُولِ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية