الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَعَادَهَا بَعْدَ صَلَاتِهِ ظُهْرًا ) يَعْنِي مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا ; لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا مَعَهُ صَلَّاهَا ، وَإِنْ فَاتَتْهُ فَعَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ صَلَّى ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : تَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَيَّامِ ، وَإِنَّمَا الْجُمُعَةُ بَدَلٌ عَنْهَا ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهَا ، وَلِهَذَا إذَا تَعَذَّرَتْ الْجُمُعَةُ صَلَّى ظُهْرًا ، فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فَقَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ ، فَأَجْزَأَهُ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ ، فَإِنْ سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ ، أَجْزَأَتْهُ . وَلَنَا ، أَنَّهُ صَلَّى مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ ، وَتَرَكَ مَا خُوطِبَ بِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْجُمُعَةِ ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ الظُّهْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَتَرْكِ السَّعْيِ إلَيْهَا ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُخَاطَبَ بِالظُّهْرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ فِي الْوَقْتِ بِصَلَاتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ ، وَلَا يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ الظُّهْرِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْوَاجِبُ مَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ دُونَ مَا لَمْ يَأْثَمْ بِهِ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْأَصْلَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا ، وَأَثِمَ بِتَرْكِهَا ، وَلَمْ تُجْزِهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ مَعَ إمْكَانِهَا ، فَإِنَّ الْبَدَلَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ، وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَوْ صَحَّتْ لَمْ تَبْطُلْ بِالسَّعْيِ إلَى غَيْرِهَا ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الصَّحِيحَةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا صَحَّتْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا ، وَأَسْقَطَتْ الْفَرْضَ عَمَّنْ صَلَّاهَا ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِغَالُهَا بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا فُرِغَ مِنْهَا لَمْ تَبْطُلْ بِشَيْءٍ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا ، فَكَيْفَ تَبْطُلُ بِمَا لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا ، وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَأَمَّا إذَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ ; لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطِهَا ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي قَضَائِهَا ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ عِنْدَ عَدَمِهَا ، وَهَذَا حَالُ الْبَدَلِ ( 1360 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّى الظُّهْرِ ، ثُمَّ شَكَّ : هَلْ صَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ لَزِمَهُ إعَادَتُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ ، وَلِأَنَّهُ ، صَلَّاهَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ صَلَّاهَا مَعَ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهَا . وَإِنْ صَلَّاهَا مَعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا . ( 1361 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ، كَالْمُسَافِرِ ، وَالْعَبْدِ ، وَالْمَرْأَةِ ، وَالْمَرِيضِ ، وَسَائِرِ الْمَعْذُورِينَ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءَ الْعُذْرِ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ . وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِالْجُمُعَةِ ، فَصَحَّتْ مِنْهُ الظُّهْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ . وَقَوْلُهُ : لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءُ الْعُذْرِ . قُلْنَا : أَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَعْلُومٌ بَقَاءُ عُذْرِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ عُذْرِهِ ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَالْمَرِيضَ إذَا صَلَّى جَالِسًا ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا ، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ ، لَمْ تَبْطُلْ ظُهْرُهُ ، وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ ، سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُ أَوْ لَمْ يَزُلْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا . وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ ، فَقُلْتُ : نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً . } وَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ } . وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ ، وَأَبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجَمَاعَةِ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ; لِيَخْرُجُوا مِنْ الْخِلَافِ ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ زَوَالُ أَعْذَارِهِمْ ، فَيُدْرِكُونَ الْجُمُعَةَ . ( 1362 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا ، أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ إذَا أَمِنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ ، وَالرَّغْبَةِ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، أَوْ أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى مَعَهُ . فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَعْمَشِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ . وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، لِأَنَّ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْلُ مِنْ مَعْذُورِينَ ، فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً . وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، فَصَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمُطَرِّفٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : مَا أَعْجَبَ النَّاسَ يُنْكِرُونَ هَذَا ، فَأَمَّا زَمَنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مَعْذُورُونَ يَحْتَاجُونَ إلَى إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا جَمَاعَةً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي مَسْجِدٍ تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ . وَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى النِّسْبَةِ إلَى الرَّغْبَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، أَوْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِيهِ ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى فِتْنَةٍ ، أَوْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِهِ وَبِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِهِ ، أَوْ مَوْضِعٍ لَا تَحْصُلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ بِصَلَاتِهَا فِيهِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية