الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 1314 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زُحِمَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يُزْحَمَ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ زُحِمَ فِي الْأُولَى ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ عَلَى ظَهْرٍ وَلَا قَدَمٍ ، انْتَظَرَ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ ، وَيَتْبَعُ إمَامَهُ ، مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ ، سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ ، وَبَقِيَ صَفٌّ لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ سَجَدُوا ، وَجَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ ، كَذَا هَاهُنَا . فَإِذَا قَضَى مَا عَلَيْهِ ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ ، أَوْ فِي الرُّكُوعِ ، أَتْبَعَهُ فِيهِ ، وَصَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَةُ ، وَكَذَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ السُّجُودُ مَعَ إمَامِهِ ، لِمَرَضٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ نِسْيَانٍ ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ الْمَزْحُومَ . فَإِنْ خَافَ أَنَّهُ إنْ تَشَاغَلَ بِالسُّجُودِ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ ، لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ السُّجُودِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ وَلِلشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ . وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا } . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : " فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا " . قُلْنَا : قَدْ سَقَطَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ عَنْ هَذَا لِعُذْرِهِ ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي الرُّكُوعِ مُتَوَجِّهًا لِإِمْكَانِهِ ، وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ فَوَاتَ الرُّكُوعِ ، فَلَزِمَهُ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِيهِ ، كَالْمَسْبُوقِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَائِمًا فَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ بِعُسْفَانَ . إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا ، وَفَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ . وَإِنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ ذَلِكَ فَسَجَدَ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ ; لِأَنَّهُ سَجَدَ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا ، فَأَشْبَهَ السَّاهِيَ ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ، رَكَعَ مَعَهُ ، وَصَحَّتْ لَهُ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ ، وَإِنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ سَجَدَ مَعَهُ ، فَإِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُتِمُّ بِهِمَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ ، وَشَرَعَ فِي رُكُوعِهَا ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا الْمَقْصُودَةِ ، أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَبْطُلُ ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَقُمْ ، وَلَكِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ ، تَمَّتْ رَكْعَتُهُ . وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا سَجَدَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ ، اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ ، كَمَا لَوْ سَجَدَ وَإِمَامُهُ قَائِمٌ ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ ، صَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ ، وَإِنْ أَدْرَكَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ وَيَتْبَعَهُ ، لِأَنَّ هَذَا سَبْقٌ يَسِيرٌ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفُوتَهُ الثَّانِيَةُ بِفَوَاتِ الرُّكُوعِ . وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ ، تَابَعَهُ ، وَقَضَى رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِهِ كَالْمَسْبُوقِ . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ . وَلَا وَجْهَ لِلسُّجُودِ هَاهُنَا ; لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِسَهْوٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا فَعَلَهُ عَمْدًا ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلْعَمْدِ . وَإِنْ زُحِمَ عَنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ عَنْ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، أَوْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، أَوْ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزِّحَامِ عَنْ السُّجُودِ . فَأَمَّا إنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ ، فَزَالَ الزِّحَامُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، سَجَدَ ، وَاتَّبَعَهُ ، وَصَحَّتْ الرَّكْعَةُ . وَإِنْ لَمْ يَزُلْ حَتَّى سَلَّمَ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى ، أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ بِإِدْرَاكِهَا ، وَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ، وَقَدْ تَمَّتْ جُمُعَتُهُ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ الْأُولَى ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ . وَهَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية