الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( ثُمَّ يَرُوحُ إلَى عَرَفَةَ وَيَقِفُ ، وَالْوُقُوفُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ } وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " كَانَ يَغْتَسِلُ إذَا رَاحَ إلَى عَرَفَةَ " وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا الْخَلْقُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَشُرِعَ لَهَا الْغُسْلُ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ ، وَيَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي جَمِيعِ عَرَفَةَ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَقَفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إلَى الصَّخَرَاتِ } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ جِهَةٍ فَجِهَةُ الْقِبْلَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ } وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ ، وَأَفْضَلُهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ } . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { تُرْفَعُ الْأَيْدِي عِنْدَ الْمَوْقِفَيْنِ ، يَعْنِي عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرَ الْحَرَامَ } وَهَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَمْ لَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، قَالَ فِي الْأُمِّ : النَّازِلُ وَالرَّاكِبُ سَوَاءٌ . وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ : الْوُقُوفُ رَاكِبًا أَفْضَلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَفَ رَاكِبًا " وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ أَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ ، فَكَانَ الرُّكُوبُ أَوْلَى ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِفْطَارُ بِعَرَفَةَ أَفْضَلَ ; لِأَنَّ الْمُفْطِرَ أَقْوَى عَلَى الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ . وَأَوَّلُ وَقْتِهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ " وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } وَأَخَّرَ وَقْتَهُ إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيِّ ، فَإِنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُجْتَازًا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَقَدْ قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ } وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ ، وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ ، وَالنَّائِمَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ ، وَلِهَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ نَهَارِ الصَّوْمِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ نَامَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَرَفَةُ فَقَدْ أَدْرَكَ لِأَنَّهُ وَقَفَ بِهَا وَهُوَ مُكَلَّفٌ ، فَأَشْبَهَ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا عَرَفَةُ . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ { وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ } فَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ ; نَظَرْتَ فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ إذَا قَامَ بِهَا إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَرَاقَ دَمًا . وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ أَوْ يُسْتَحَبُّ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَجِبُ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ ، } وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهِ الدَّمُ كَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ وَقَفَ فِي أَحَدِ زَمَانَيْ الْوُقُوفِ فَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِلزَّمَانِ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ ) . ( الرَّابِعَةُ ) إذَا وَقَفَ فِي النَّهَارِ وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَمْ يَعُدْ فِي نَهَارِهِ إلَى عَرَفَاتٍ ، هَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا ( الْأَصَحُّ ) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يَلْزَمُهُ ، فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ فَعَادَ فِي اللَّيْلِ سَقَطَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يَسْقُطُ ، وَإِذَا دَفَعَ بِالنَّهَارِ وَلَمْ يَعُدْ ، أَجْزَأَهُ وُقُوفُهُ وَحَجُّهُ صَحِيحٌ ، سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الدَّمَ أَمْ لَا ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَالِكًا . وَقَالَ مَالِكٌ : الْمُعْتَمَدُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ هُوَ اللَّيْلِ ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَقَالَ : لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ السَّابِقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي الصُّبْحَ - وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَجِبُ لَكِنْ يُجْبَرُ بِدَمٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ طَرِيقُ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية