الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( ثُمَّ يَرُوحُ إلَى عَرَفَةَ وَيَقِفُ ، وَالْوُقُوفُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ } وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " كَانَ يَغْتَسِلُ إذَا رَاحَ إلَى عَرَفَةَ " وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا الْخَلْقُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَشُرِعَ لَهَا الْغُسْلُ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ ، وَيَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي جَمِيعِ عَرَفَةَ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَقَفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إلَى الصَّخَرَاتِ } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ جِهَةٍ فَجِهَةُ الْقِبْلَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ } وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ ، وَأَفْضَلُهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ } . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { تُرْفَعُ الْأَيْدِي عِنْدَ الْمَوْقِفَيْنِ ، يَعْنِي عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرَ الْحَرَامَ } وَهَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَمْ لَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، قَالَ فِي الْأُمِّ : النَّازِلُ وَالرَّاكِبُ سَوَاءٌ . وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ : الْوُقُوفُ رَاكِبًا أَفْضَلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَفَ رَاكِبًا " وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ أَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ ، فَكَانَ الرُّكُوبُ أَوْلَى ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِفْطَارُ بِعَرَفَةَ أَفْضَلَ ; لِأَنَّ الْمُفْطِرَ أَقْوَى عَلَى الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ . وَأَوَّلُ وَقْتِهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ " وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } وَأَخَّرَ وَقْتَهُ إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيِّ ، فَإِنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُجْتَازًا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا وَقَدْ قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ } وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ ، وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ ، وَالنَّائِمَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ ، وَلِهَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ نَهَارِ الصَّوْمِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ نَامَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَرَفَةُ فَقَدْ أَدْرَكَ لِأَنَّهُ وَقَفَ بِهَا وَهُوَ مُكَلَّفٌ ، فَأَشْبَهَ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا عَرَفَةُ . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ { وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ } فَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ ; نَظَرْتَ فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ إذَا قَامَ بِهَا إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَرَاقَ دَمًا . وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ أَوْ يُسْتَحَبُّ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَجِبُ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ ، } وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهِ الدَّمُ كَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ وَقَفَ فِي أَحَدِ زَمَانَيْ الْوُقُوفِ فَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِلزَّمَانِ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ ) . ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيِّ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ " عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ { أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي : الْحَجُّ عَرَفَةَ ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ حَجٍّ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ } " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَنَادَى : الْحَجُّ الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ . مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ حَجٍّ فَيَتِمُّ حَجُّهُ } . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ " عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ } وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، قُلْتُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لَيْسَ عِنْدَكُمْ بِالْكُوفَةِ حَدِيثٌ أَشْرَفُ وَلَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، لَكِنْ يُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَقَفْتُ هَهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إلَى الصَّخَرَاتِ ، فَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ . أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ أَيْضًا . وَأَمَّا حَدِيثُ { خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ } . . . وَأَمَّا حَدِيثُ { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ } فَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ } هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ آخِرُ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ طَلْحَةَ هَذَا تَابِعِيٌّ خُزَاعِيٌّ كُوفِيٌّ ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ : لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولًا قَالَ : وَوَصْلُهُ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي إسْنَادِهِ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَكْثَرُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا } إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ - لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ مُوسَى وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخُوهُ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَفَ رَاكِبًا " فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ أَيْضًا : وَأَمَّا حَدِيثُ وُقُوفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ { لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " كَرِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ ( مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا ) فَصَحِيحٌ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسٍ الطَّائِيِّ الصَّحَابِيِّ قَالَ ( { أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ لِلصَّلَاةِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلِ طيئ أَكْلَلْت رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي ، وَاَللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ . وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِهِ هُنَا ، وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ . قَالَ : وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ سَنَذْكُرُهُ بِطُولِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ . وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بِنَمِرَةَ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي ، فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ } فَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَا مَرْفُوعًا ، وَلَفْظُهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ { مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا } قَالَ مَالِكٌ : لَا أَدْرِي قَالَ تَرَكَ أَمْ نَسِيَ ؟ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ { مَنْ تَرَكَ شَيْئًا فَلْيُهْرِقْ لَهُ دَمًا } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَكَأَنَّهُ قَالَهُمَا ، يَعْنِي الْبَيْهَقِيَّ أَنَّ ( أَوْ ) لَيْسَتْ لِلشَّكِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ ، بَلْ لِلتَّقْسِيمِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ يُرِيقُ دَمًا سَوَاءٌ تَرَكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ ) فَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدِّيلِيُّ الصَّحَابِيُّ - بِكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ - وَهُوَ مِنْ سَاكِنِي الْكُوفَةِ وَأَبُو يَعْمُرَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا - وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا الْخَلْقُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ احْتِرَازٌ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالْأَذْكَارِ وَلَكِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ . وَقَوْلُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا ، وَقَدْ قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ } ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ ، وَقَدْ قَامَ ، وَقَدْ وَقَفَ ، كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ ( قَضَى تَفَثَهُ ) هُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَالْوَسَخِ وَالْحَلْقِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ وَنَحْوِهَا . قَوْلُهُ ( وَلِهَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَلَوْ نَامَ جَمِيعَهُ صَحَّ ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا ، وَفِيهِمَا مَا سَبَقَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ احْتِرَازٌ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالْأَذْكَارِ وَنَحْوِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ ( إحْدَاهَا ) إذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسِيرُوا فِي الْحَالِ إلَى الْمَوْقِفِ وَيُعَجِّلُوا الْمَسِيرَ وَهَذَا التَّعْجِيلُ مُسْتَحَبٌّ بِالْإِجْمَاعِ ، لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إلَى الْحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَجِّ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ : أَيْنَ هَذَا ؟ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : الرَّوَاحَ ، فَقَالَ الْآنَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي ، فَقُلْتُ لَهُ : إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ الْيَوْمَ فَأَقْصِرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ صَدَقَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ أَتَى الْمَوْقِفَ }

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية