الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِلْخَبَرِ ، وَيَصِحُّ مِنْهُ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِحَفَّتِهَا فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ } فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَأَحْرَمَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ إحْرَامُهُ ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِالصَّلَاةِ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ فِي أَدَائِهِ إلَى الْمَالِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَازَ لِأُمِّهِ أَنْ تُحْرِمَ عَنْهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَجُوزُ لِأَبِيهِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمِّ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَخِ وَالْعَمِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا عَلَى الصَّغِيرِ ، فَإِنْ عُقِدَ لَهُ الْإِحْرَامُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَيَفْعَلُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : { حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَلَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ } وَعَنْ عُمَرَ قَالَ : " كُنَّا نَحُجُّ بِصِبْيَانِنَا فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ رَمَى ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رُمِيَ عَنْهُ " وَفِي نَفَقَةِ الْحَجِّ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَجِبُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِيهِ ( الثَّانِي ) يَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ لِمَصْلَحَتِهِ فَكَانَ فِي مَالِهِ كَأُجْرَةِ الْمُعَلِّمِ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْمِحَفَّةِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ - وَهِيَ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ كَالْهَوْدَجِ إلَّا أَنَّهَا لَا تُقَتَّبُ بِخِلَافِ الْهَوْدَجِ ، فَإِنَّهُ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ يَكُونُ مُقَتَّبًا وَغَيْرَ مُقَتَّبٍ ، وَكَانَ سُؤَالُ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ . أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الصَّبِيِّ وَيَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءً فِي الصُّورَتَيْنِ ، الصَّغِيرُ كَابْنِ يَوْمٍ وَالْمُرَاهِقُ . ثُمَّ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَيَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ ، فَإِنْ اسْتَقَلَّ وَأَحْرَمَ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا : ( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا يَصِحُّ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَكَذَا نَقَلَهُ أَيْضًا ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يَصِحُّ فَلِوَلِيِّهِ تَحْلِيلُهُ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً ، وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يَصِحُّ اسْتِقْلَالُ الصَّبِيِّ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُ الْوَلِيِّ . وَإِلَّا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ، حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ : ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ : يَصِحُّ ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إحْرَامُ الْوَلِيِّ عَنْهُ أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا ، وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا صَاحِبُ الشَّامِلِ ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَجْهًا عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا غَلَطٌ ، فَإِنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا ، وَلِهَذَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ ، وَكَذَا الْحَجُّ . قَالَ الْقَاضِي : ( فَإِنْ قِيلَ ) : قَدْ قُلْتُمْ : لَا يَتَوَلَّى الصَّبِيُّ إخْرَاجَ فِطْرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَجَوَّزْتُمْ هُنَا إحْرَامَهُ بِنَفْسِهِ فَمَا الْفَرْقُ ؟ ( قُلْنَا ) : الْحَجُّ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَالْفِطْرَةُ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَافْتَرَقَا ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ يَتَوَلَّاهَا الْوَلِيُّ ، وَالْإِحْرَامُ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ ، فَهُمَا سَوَاءٌ . هَذَا كُلُّهُ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية