الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) . اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَنَاءَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دُعَاءَهُ وَمَسْأَلَتَهُ وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الثَّنَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ فَكُلَّمَا كَانَ اشْتِغَالُهَا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَالِانْجِذَابُ إِلَى عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ أَشَدَّ كَانَتْ مُشَاكَلَتُهَا لِلْمَلَائِكَةِ أَتَمَّ ، فَكَانَتْ أَقْوَى عَلَى التَّصَرُّفِ فِي أَجْسَامِ هَذَا الْعَالَمِ ، وَكُلَّمَا كَانَ اشْتِغَالُهَا بِلَذَّاتِ هَذَا الْعَالَمِ وَاسْتِغْرَاقُهَا فِي ظُلُمَاتِ هَذِهِ الْجُسْمَانِيَّاتِ أَشَدَّ كَانَتْ مُشَاكَلَتُهَا لِلْبَهَائِمِ أَشَدَّ فَكَانَتْ أَكْثَرَ عَجْزًا وَضَعْفًا وَأَقَلَّ تَأْثِيرًا فِي هَذَا الْعَالَمِ ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعَاءِ يَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرَ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ حَتَّى أَنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَيَصِيرُ قَرِيبَ الْمُشَاكَلَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَتَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْمُشَاكَلَةِ قُوَّةٌ إِلَهِيَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ فَيَصِيرُ مَبْدَأً لِحُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ بِالدُّعَاءِ فَهَذَا هُوَ الْكَشْفُ عَنْ مَاهِيَّةِ الدُّعَاءِ وَظَهَرَ أَنَّ تَقْدِيمَ الثَّنَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَظَهَرَ بِهِ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : " مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الثَّنَاءِ ، لَا سِيَّمَا وَيُرْوَى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ حِينَ كَانَ مُشْتَغِلًا بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) ثُمَّ ذَكَرَ الثَّنَاءَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعَاءَ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعْلِيمِ الشَّرْعِ ، فَأَمَّا حِينَ مَا خَلَا بِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ تَعْلِيمَ الشَّرْعِ كَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ : حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية