الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ) فَفِيهِ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَعَلُّقِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا وُجُوهٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَوَهَّمَ إِنْسَانٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَنَعَ مُحَمَّدًا مِنْ بَعْضِ مَا أَذِنَ لِإِبْرَاهِيمَ فِيهِ . وَالثَّانِي : أَنْ يُقَالَ إِنَّا ذَكَرْنَا فِي سَبَبِ اتِّصَالِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا الْمُبَالَغَةَ فِي إِيجَابِ الِانْقِطَاعِ عَنِ الْكُفَّارِ أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِدِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، بَلِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَقْرِيرِ وُجُوبِ الِانْقِطَاعِ كَانَتْ مَشْرُوعَةً أَيْضًا فِي دِينِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَتَكُونُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَقْرِيرِ وُجُوبِ الْمُقَاطَعَةِ وَالْمُبَايَنَةِ مِنَ الْكُفَّارِ أَقْوَى . الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِكَوْنِهِ حَلِيمًا أَيْ : قَلِيلَ الْغَضَبِ ، وَبِكَوْنِهِ أَوَّاهًا أَيْ : كَثِيرَ التَّوَجُّعِ وَالتَّفَجُّعِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَضَارِّ بِالنَّاسِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ لِأَبِيهِ شَدِيدًا ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَمَعَ كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالْأَوَّاهِيَّةِ وَالْحَلِيمِيَّةِ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِأَبِيهِ الْكَافِرِ ، فَلِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَمْنُوعًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ أَوْلَى . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ ( وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) ( الشُّعَرَاءِ : 86 ) وَأَيْضًا قَالَ عَنْهُ :( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ) ( إِبْرَاهِيمَ : 41 ) وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ قَالَ :( سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) ( مَرْيَمَ : 47 ) وَقَالَ أَيْضًا :( لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) ( الْمُمْتَحَنَةِ : 4 ) وَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَافِرِ لَا يَجُوزُ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ هَذَا الذَّنْبِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَجَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ) وَفِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ الْوَاعِدُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ أَبَاهُ وَعَدَهُ أَنْ يُؤْمِنَ ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَسْتَغْفِرُ لِأَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الْمَعْنَى ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، وَتَرَكَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارَ . الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْوَاعِدُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَعَدَ أَبَاهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَجَاءَ إِسْلَامِهِ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ ( وَعَدَهَا أَبَاهُ ) بِالْبَاءِ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ . الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : الْمُرَادُ مِنَ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ دُعَاؤُهُ لَهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ : آمِنْ حَتَّى تَتَخَلَّصَ مِنَ الْعِقَابِ وَتَفُوزَ بِالْغُفْرَانِ ، وَكَانَ يَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يَرْزُقَهُ الْإِيمَانَ الَّذِي يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ ، فَهَذَا هُوَ الِاسْتِغْفَارُ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَمُوتُ مُصِرًّا عَلَى الْكُفْرِ تَرَكَ تِلْكَ الدَّعْوَةَ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ : أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ :( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَا امْتِنَاعَ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِ لِكَوْنِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارِ تَخْفِيفُ الْعِقَابِ ، قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ تَعَالَى مَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ :( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ) ( التَّوْبَةِ : 84 ) وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ عَمَّ هَذَا الْحُكْمَ ، وَمَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ كَانَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ الشِّرْكِ ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية