الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ وَجُمْهُورُ الْخَوَارِجِ : الدِّيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَاتِلِ ، قَالُوا : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ قَوْلَهُ : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) لَا شَكَّ أَنَّهُ إِيجَابٌ لِهَذَا التَّحْرِيرِ ، وَالْإِيجَابُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَخْصٍ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ ، وَالْمَذْكُورُ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْقَاتِلُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ) فَهَذَا التَّرْتِيبُ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيرَ إِنَّمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ صَدَرَتْ مِنْهُ ، وَالْمَعْقُولُ هُوَ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى الْمُتْلِفِ ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ صَدَرَ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْخَطَأِ . وَلَكِنَّ الْفِعْلَ الْخَطَأَ قَائِمٌ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ ، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الضَّمَانَاتِ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى الْمُتْلِفِ ، فَكَذَا هَهُنَا . الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَيْئَيْنِ : تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَتَسْلِيمُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيرَ وَاجِبٌ عَلَى الْجَانِي ، فَكَذَا الدِّيَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً عَلَى الْقَاتِلِ ، ضَرُورَةَ أَنَّ اللَّفْظَ وَاحِدٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . . الرَّابِعُ : أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ جِنَايَةٌ وَلَا مَا يُشْبِهُ الْجِنَايَةَ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُمْ شَيْءٌ لِلْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) [ الْأَنْعَامِ : 164 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ) [ الْأَنْعَامِ : 29 ] وَقَالَ : ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) [ الْبَقَرَةِ : 286 ] وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا رِمْثَةَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ابْنُهُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ ابْنِي ، قَالَ : إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِخْبَارَ عَنْ نَفْسِ الْجِنَايَةِ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ أَثَرَ جِنَايَتِكَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى وَلَدِكَ وَبِالْعَكْسِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِيجَابَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي أَوْلَى مِنْ إِيجَابِهَا عَلَى الْغَيْرِ . الْخَامِسُ : أَنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالَ الْإِنْسَانِ مَعْصُومٌ وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ . قَالَ تَعَالَى : ( لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ) [ النِّسَاءِ : 29 ] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " كُلُّ امْرِئٍ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ " وَقَالَ : " حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ " وَقَالَ : " لَا يَحِلُّ مَالُ الْمُسْلِمِ إِلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ " تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْعُمُومَاتِ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي عَرَفْنَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ كَوْنَهَا مُوجِبَةً لِجَوَازِ الْأَخْذِ كَمَا قُلْنَا فِي الزَّكَوَاتِ ، وَكَمَا قُلْنَا فِي أَخْذِ الضَّمَانَاتِ . وَأَمَّا فِي إِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَتَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْلُومٌ ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ ، وَتَقْدِيمُ الْمَظْنُونِ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيُرَدُّ ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى مُخَالَفَةِ جَمِيعِ أُصُولِ الشَّرَائِعِ ، فَوَجَبَ رَدُّهُ ، وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا فِيهِ بِالْخَبَرِ وَالْأَثَرِ وَالْآيَةِ : أَمَّا الْخَبَرُ : فَمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبَةِ بِالْغِرَّةِ ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ : كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ ، وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا مِنْ سَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَمَّا الْأَثَرُ : فَهُوَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى عَلَى عَلِيٍّ بِأَنْ يَعْقِلَ عَنْ مَوْلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ جَنَى مَوْلَاهَا ، وَعَلِيٌّ كَانَ ابْنَ أَخِي صَفِيَّةَ ، وَقَضَى لِلزُّبَيْرِ بِمِيرَاثِهَا ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية