الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، ثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ : وَأَصَابَهُ الطَّاعُونُ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ فَمَاتَ - قَالَ : وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ عُمَرَ ؛ وَلَأَنْ أَكُونَ سَمِعْتُ بِمَوْتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ كَمَا رَأَيْتُهُ . حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، ثَنَا ضَمْرَةُ ، ثَنَا ابْنُ شَوْذَبٍ ، قَالَ : جَاءَتِ امرأة عبد الملك بن عمر إِلَيْهِ ، وَقَدْ تَرَجَّلَتْ وَلَبِسَتْ إِزَارًا وَرِدَاءً وَنَعْلَيْنِ ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ : اعْتَدِّي اعْتَدِّي . حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، ثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ ، ثَنَا فُرَاتُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَيْمُونٍ : أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ : يَا أَبَتِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَمْضِيَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ ، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي لَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : يَا بُنَيَّ إِنَّمَا أَنَا أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ ، إِنِّي لَأُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ فَأُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى أُخْرِجَ مَعَهُ طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْسَانَ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمَوْلَاهُ مُزَاحِمٍ : كَمْ تُرَانَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَدْرِي مَا عِيَالُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، اللَّهُ لَهُمْ ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيتُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ ، فَقُلْتُ لَهُ : هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : وَمَا قَالَ ؟ قُلْتُ : قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : فَمَا قُلْتَ لَهُ : قَالَ : قُلْتُ لَهُ : هَلْ تَدْرِي مَا عِيَالُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، اللَّهُ لَهُمْ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : بِئْسَ الْوَزِيرُ أَنْتَ يَا مُزَاحِمُ ، ثُمَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى أَبِيهِ ، فَقَالَ لِلْآذِنِ : اسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ الْآذِنُ : إِنَّمَا لِأَبِيكَ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هَذِهِ السَّاعَةُ ، قَالَ : مَا بُدٌّ مِنْ لِقَائِهِ ، فَسَمِعَ عُمَرُ مَقَالَتَهُمَا ، قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ الْآذِنُ : عَبْدُ الْمَلِكِ ، قَالَ : ائْذَنْ لَهُ ، قَالَ : فَدَخَلَ ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : شَيْءٌ ذَكَرَهُ لِي مُزَاحِمٌ ، قَالَ : نَعَمْ فَمَا رَأْيُكَ ؟ قَالَ : رَأْيِى أَنْ تُمْضِيَهُ ، قَالَ : فَإِنِّي أَرُوحُ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَأَرُدُّهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ، قَالَ : وَمَنْ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : السَّاعَةُ ، قَالَ : فَخَرَجَ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَرَدَّهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ح ، وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ ، ثَنَا أَحْمَدُ الدَّوْرَقِيُّ ، قَالَا : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا نَادَى مُنَادِيهِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً ، قَالَ : فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَعْطَوْنَا عَطَايَا مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَأْخُذَهَا ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُعْطُونَهَا ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيَّ فِيهِ دُونَ اللَّهِ مُحَاسِبٌ ، وَإِنِّي قَدْ بَدَأْتُ بِنَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي ، اقْرَأْ يَا مُزَاحِمُ ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ كِتَابًا كِتَابًا ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ عُمَرُ وَبِيَدِهِ الْجَلَمُ فَيَقْطَعُهُ حَتَّى نُودِيَ بِالظُّهْرِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ جَعُونَةَ قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى أَبِيهِ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا أَتَيْتَهُ وَقَدْ تَرَكْتَ حَقًّا لَمْ تُحْيِهِ ، وَبَاطِلًا لَمْ تُمِتْهُ ؟ قَالَ : اقْعُدْ يَا بُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ وَأَجْدَادَكَ خَدَعُوا النَّاسَ عَنِ الْحَقِّ فَانْتَهَتِ الْأُمُورُ إِلَيَّ ، وَقَدْ أَقْبَلَ شَرُّهَا وَأَدْبَرَ خَيْرُهَا ، وَلَكِنْ أَلَيْسَ حَسْبِي جَمِيلًا أَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَيَّ فِي يَوْمٍ إِلَّا أَحْيَيْتُ فِيهِ حَقًّا ، وَأَمَتُّ فِيهِ بَاطِلًا حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمَوْتُ وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ ؟ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَرُوبَةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ ، ثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ ، عَنْ مَيْمُونٍ - يَعْنِي ابْنَ مِهْرَانَ - قَالَ : بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِلَى مَكْحُولٍ وَإِلَى أَبِي قِلَابَةَ ، فَقَالَ : مَا تَرَوْنَ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ النَّاسِ ظُلْمًا ؟ فَقَالَ مَكْحُولٌ يَوْمَئِذٍ قَوْلًا ضَعِيفًا كَرِهَهُ ، فَقَالَ : أَرَى أَنْ تَسْتَأْنِفَ ، فَنَظَرَ إِلَيَّ عُمَرُ كَالْمُسْتَغِيثِ بِي ، قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْعَثْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَحْضِرْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ مَنْ رَأَيْتَ ، قَالَ : يَا حَارِثُ ادْعُ لِي عَبْدَ الْمَلِكِ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ : يَا عَبْدَ الْمَلِكِ مَا تَرَى فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ النَّاسِ ظُلْمًا ، قَدْ حَضَرُوا يَطْلُبُونَهَا ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَوَاضِعَهَا ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَرُدَّهَا ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ كُنْتَ شَرِيكًا لِمَنْ أَخَذَهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ - وَكَانَ كَاتِبَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ بِالشَّامِ - قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى أَبِيهِ عُمَرَ ، فَقَالَ : أَيْنَ وَقَعَ لَكَ رَأْيُكَ فِيمَا ذَكَرَ لَكَ مُزَاحِمٌ مِنْ رَدِّ الْمَظَالِمِ ؟ قَالَ : عَلَيَّ إِنْفَاذُهُ ، فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُعِينُنِي عَلَى أَمْرِ دِينِي ، نَعَمْ يَا بُنَيَّ أُصَلِّي الظُّهْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَأَرُدُّهَا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَكَ بِالظُّهْرِ ؟ وَمَنْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ بَقِيتَ أَنْ تَسْلَمَ لَكَ نِيَّتُكَ لِلظُّهْرِ ؟ قَالَ عُمَرُ : فَقَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ لِلْقَائِلَةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : تَأْمُرُ مُنَادِيَكَ فَيُنَادِي الصَّلَاةَ جَامِعَةً حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَقَدْ جِيءَ بِسَفَطٍ أَوْ جَوْنَةٍ فِيهَا تِلْكَ الْكُتُبُ وَفِي يَدِ عُمَرَ جَلَمٌ يَقُصُّهُ حَتَّى نُودِيَ بِالظُّهْرِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ ، ثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ ثَلَاثَةً فِي بَيْتٍ أَخْيَرَ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَمَوْلَاهُ مُزَاحِمٍ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ : أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَيْثُ دَفَنَ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ : لَمَّا دَفَنَهُ وَسَوَّى عَلَيْهِ قَبْرَهُ بِالْأَرْضِ ، وَضَعُوا عِنْدَهُ خَشَبَتَيْنِ مِنْ زَيْتُونٍ ، إِحْدَاهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْأُخْرَى عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ جَعَلَ قَبْرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَوَى قَائِمًا ، وَأَحَاطَ بِهِ النَّاسُ ، فَقَالَ : رَحِمَكَ اللَّهُ يَا بُنَيَّ لَقَدْ كُنْتَ بَارًّا بِأَبِيكَ ، وَاللَّهِ مَا زِلْتُ مُنْذُ وَهَبَكَ اللَّهُ لِي مَسْرُورًا بِكَ ، وَلَا وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بِكَ سُرُورًا وَلَا أَرْجَى بِحَظِّي مِنَ اللَّهِ فِيكَ مُنْذُ وَضَعْتُكَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ الَّذِي صَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَرَحِمَكَ اللَّهُ وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ ، وَجَزَاكَ بِأَحْسَنِ عَمَلِكَ ، وَرَحِمَ اللَّهُ كُلَّ شَافِعٍ يَشْفَعُ لَكَ بِخَيْرٍ مِنْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ ، رَضِينَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَسَلَّمْنَا لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ثَنَا عَفَّانُ ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ عُمَرَ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ ، مَاتَ أَخٌ لَهُ ، ثُمَّ مَاتَ مُزَاحِمٌ ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ ، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ ، تَكَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى النِّسَاءِ فِي الْخِرَقِ ، فَمَا زِلْتُ أَرَى فِيهِ السُّرُورَ وَقُرَّةَ الْعَيْنِ إِلَى يَوْمِي هَذَا ، فَمَا رَأَيْتُهُ فِي أَمْرٍ قَطُّ أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ أَمْرٍ رَأَيْتُهُ فِيهِ الْيَوْمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعَطَّارُ ، ثَنَا حَزْمٌ ، قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي شَأْنِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ تُوُفِّيَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ كَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ حِينَ خَلَقَهُمُ الْمَوْتَ وَجَعَلَ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهِ ، فَقَالَ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ الصَّادِقِ الَّذِي حَفِظَهُ بِعِلْمِهِ وَأَشْهَدَ مَلَائِكَتَهُ عَلَى حَقِّهِ أَنَّهُ يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) . ثُمَّ قَالَ : ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) . فَالْمَوْتُ سَبِيلُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا ، لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ لِمُحْسِنٍ وَلَا لِمُسِيءٍ فِيهَا خُلْدًا ، وَلَمْ يَرْضَ مَا أَعْجَبَ أَهْلَهَا ثَوَابًا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ ، وَلَمْ يَرْضَ بِبَلَائِهَا نِقْمَةً لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا أَعْجَبَ أَهْلَهَا أَوْ كَرِهُوا مِنْهُ شَيْئًا مَتْرُوكٌ لِذَلِكَ خُلِقَتْ حِينَ خُلِقَتْ ، وَلِذَلِكَ سُكِنَتْ مُنْذُ سُكِنَتْ ، لِيَبْلُوَ اللَّهُ فِيهَا عِبَادَهُ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، فَمَنْ قَدِمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ وَرِضْوَانِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهُدَاهُمْ خَالِدٌ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ، لَا يَمَسُّهُ فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّهُ فِيهَا لُغُوبٌ ، وَمَنْ كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ الدُّنْيَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَغَيْرِ مَنَازِلِهِمْ فَقَدْ قَابَلَ الشَّرَّ الطَّوِيلَ وَأَقَامَ عَلَى مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ ، أَسْأَلُ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يُبْقِيَنَا مَا أَبْقَانَا فِي الدُّنْيَا مُطِيعِينَ لِأَمْرِهِ ، مُتَّبِعِينَ لِكِتَابِهِ ، وَجَعَلَنَا إِذَا خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى نَبِيِّنَا ، وَمَنْ أَمَرَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهُدَاهُ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ، وَأَسْأَلُهُ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يَقِيَنَا أَعْمَالَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا ، وَالسَّيِّئَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَبِيهِ فِيهِ ، أَعَاشَهُ اللَّهُ مَا أَحَبَّ أَنْ يَعِيشَهُ ، ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَيْهِ حِينَ أَحَبَّ أَنَّ يَقْبِضَهُ ، وَهُوَ فِيمَا عَلِمْتُ بِالْمَوْتِ مُغْتَبِطٌ يَرْجُو فِيهِ مِنَ اللَّهِ رَجَاءً حَسَنًا ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونَ لِي مَحَبَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ تُخَالِفُ مَحَبَّةَ اللَّهِ ، فَإِنَّ خِلَافَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ فِي بَلَائِهِ عِنْدِي ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيَّ ، وَقَدْ قُلْتُ فِيمَا كَانَ مِنْ سَبِيلِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَا رَجَوْتُ بِهِ ثَوَابَ اللَّهِ وَمَوْعِدَهُ الصَّادِقَ مِنَ الْمَغْفِرَةِ ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَعْدَهُ فِي نَفْسِي إِلَّا خَيْرًا مِنْ رِضًى بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وِاحْتِسَابٍ لِمَا كَانَ مِنَ الْمُصِيبَةِ فَحَمْدًا لِلَّهِ عَلَى مَا مَضَى وَعَلَى مَا بَقِيَ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِذَلِكَ وَأُعْلِمَكَهُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ ، فَلَا أَعْلَمُ مَا نِيحَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ قِبَلِكَ وَلَا اجْتَمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا رَخَّصْتَ فِيهِ لِقَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا لِبَعِيدٍ ، وَاكْفِنِي ذَلِكَ بِكِفَايَةِ اللَّهِ ، وَلَا أَلُومَنَّكَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنِي عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، قَالَ : غَضِبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ ، وَكَانَ فِيهِ حِدَّةٌ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاضِرٌ ، فَلَمَّا سَكَنَ غَضَبُهُ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ فِي قَدَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ ، وَمَوْضِعِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ ، وَمَا وَلَّاكَ مِنْ أَمْرِ عِبَادِهِ يَبْلُغُ بِكَ الْغَضَبُ مَا أَرَى ؟ قَالَ : كَيْفَ قُلْتَ ؟ قَالَ : فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ ، فَقَالَ : أَمَا تَغْضَبُ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ ؟ فَقَالَ : مَا تُغْنِي سِعَةُ جَوْفِي إِنْ لَمْ أَرْدُدْ فِيهَا الْغَضَبَ حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ أَكْرَهُهُ ، قَالَ : وَكَانَ لَهُ بَطِينٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، ثَنَا أَحْمَدُ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، حَدَّثَنِي مَرْوَانُ أَبُو عُمَرَ الْجَزَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، قَالَ : جَلَسَ عُمَرُ يَوْمًا لِلنَّاسِ ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ ضَجِرَ وَكَلَّ وَمَلَّ ، فَقَالَ لِلنَّاسِ : مَكَانَكُمْ حَتَّى أَنْصَرِفَ إِلَيْكُمْ ، فَدَخَلَ لِيَسْتَرِيحَ سَاعَةً ، فَجَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : دَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَدْخَلَكَ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَرِيحَ سَاعَةً : قَالَ : أَوَأَمِنْتَ الْمَوْتَ أَنْ يَأْتِيَكَ وَرَعِيَّتُكَ عَلَى بَابِكَ يَنْتَظِرُونَكَ وَأَنْتَ مُحْتَجِبٌ عَنْهُمْ ؟ فَقَامَ عُمَرُ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ . حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فِرَاسٍ أَبُو هُرَيْرَةَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ ، قَالَ : لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ عَزَّاهُ النَّاسُ عَنْهُ ، فَعَزَّاهُ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي كِلَابٍ ، فَقَالَ : تَعَزَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ لِمَا قَدْ تَرَى يُغْذَى الصَّغِيرُ وَيُولَدُ هَلِ ابْنُكَ إِلَّا مِنْ سُلَالَةِ آدَمٍ لِكُلٍّ عَلَى حَوْضِ الْمَنِيَّةِ مَوْرِدُ . قَالَ : فَمَا وَقَعَتْ مِنْهُ تَعْزِيَةُ أَحَدٍ مَا وَقَعَتْ مِنْهُ تَعْزِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية