الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          جزء صفحة
          الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ : اسْتِدْرَاكٌ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ ، وَالْمَخْلُوقِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ : - وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ، وَهَا أَنَا أَذْكُرُ نُكْتَةً أُذَيِّلُ بِهَا هَذَا الْفَصْلَ ، وَأَخْتِمُ بِهَا هَذَا الْقِسْمَ ، وَأُزِيحُ الْإِشْكَالَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ كُلِّ ضَعِيفِ الْوَهْمِ ، سَقِيمِ الْفَهْمِ ، تُخَلِّصُهُ مِنْ مَهَاوِي التَّشْبِيهِ ، وَتُزَحْزِحُهُ عَنْ شُبَهِ التَّمْوِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَلَّ اسْمُهُ فِي عَظَمَتِهِ ، وَكِبْرِيَائِهِ ، وَمَلَكُوتِهِ ، وَحُسْنَى أَسْمَائِهِ ، وَعُلِيِّ صِفَاتِهِ ، لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَلَا يُشَبَّهُ بِهِ ، وَأَنَّ مَا جَاءَ مِمَّا أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ عَلَى الْخَالِقِ ، وَعَلَى الْمَخْلُوقِ ، فَلَا تَشَابُهَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ ، إِذْ صِفَاتُ الْقَدِيمِ بِخِلَافِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ ، فَكَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتَ كَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتَ الْمَخْلُوقِينَ ، إِذْ صِفَاتُهُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْأَعْرَاضِ ، وَالْأَغْرَاضِ ، وَهُوَ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ، بَلْ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ ، وَأَسْمَائِهِ ، وَكَفَى فِي هَذَا قَوْلُهُ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشُّورَى : 11 ] . وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ الْمُحَقِّقِينَ : التَّوْحِيدُ إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِلذَّوَاتِ ، وَلَا مُعَطَّلَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ . وَزَادَ هَذِهِ النُّكْتَةَ الْوَاسِطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيَانًا ، وَهِيَ مَقْصُودُنَا ، فَقَالَ : لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ ، وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ ، وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ ، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ اللَّفْظَ ، وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ ، كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ تَكُونَ لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ . وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْجَمَاعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . وَقَدْ فَسَّرَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلَهُ هَذَا ، لِيَزِيدَهُ بَيَانًا ، فَقَالَ : هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوَامِعِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ ، وَكَيْفَ تُشْبِهُ ذَاتُهُ ذَاتَ الْمُحْدَثَاتِ ، وَهِيَ بِوُجُودِهَا مُسْتَغْنِيَةٌ ، وَكَيْفَ يُشْبِهُ فِعْلُهُ فِعْلَ الْخَلْقِ ، وَهُوَ لِغَيْرِ جَلْبِ أُنْسٍ ، أَوْ دَفْعِ نَقْصٍ حَصَلَ ، وَلَا بِخَوَاطِرَ وَأَغْرَاضٍ وُجِدَ ، وَلَا بِمُبَاشَرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ ظَهَرَ ، وَفِعْلُ الْخَلْقِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ . وَقَالَ آخَرُ مِنْ مَشَايِخِنَا : مَا تَوَهَّمْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكُمْ ، أَوْ أَدْرَكْتُمُوهُ بِعُقُولِكُمْ فَهُوَ مُحْدَثٌ مِثْلُكُمْ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ : مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ انْتَهَى إِلَيْهِ فِكْرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ ، وَمَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى النَّفْيِ الْمَحْضِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ ، وَإِنْ قَطَعَ بِمَوْجُودٍ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ : حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْأَشْيَاءِ بِلَا عِلَاجٍ ، وَصُنْعَهُ لَهَا بِلَا مِزَاجٍ ، وَعِلَّةُ كُلِّ شَيْءٍ صُنْعُهُ ، وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ ، وَمَا تُصُوِّرَ فِي وَهْمِكَ فَاللَّهُ بِخِلَافِهِ . وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ نَفِيسٌ مُحَقَّقٌ . وَالْفَصْلُ الْآخَرُ ، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشُّورَى : 11 ] . وَالثَّانِي تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ : 23 ] ، وَالثَّالِثُ ، تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النَّحْلِ : 40 ] . ثَبَّتَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَلَى التَّوْحِيدِ ، وَالْإِثْبَاتِ ، وَالتَّنْزِيهِ ، وَجَنَّبَنَا طَرَفَيِ الضَّلَالَةِ ، وَالْغَوَايَةِ مِنَ التَّعْطِيلِ ، وَالتَّشْبِيهِ بِمَنِّهِ ، وَرَحْمَتِهِ .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية