الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          جزء صفحة
          الْفَصْلُ الْعَاشِرُ : فِي تَفْضِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشَّفَاعَةِ ، وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] . [ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ بِخَطِّهِ ، حَدَّثَنَا سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ ، وَأَبُو أَحْمَدَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ] ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًى ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا ، يَقُولُونَ : يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا ، يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَلِكَ يَوْمُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي قَوْلَهُ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] ، فَقَالَ : الشَّفَاعَةُ . وَرَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا ، وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ ، وَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ قَالَ : فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدَهُ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قِيَامُهُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مَقَامًا لَا يَقُومُهُ غَيْرُهُ ، يَغْبِطُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ ، وَالْآخِرُونَ . وَنَحْوُهُ عَنْ كَعْبٍ ، وَالْحَسَنِ . وَفِي رِوَايَةٍ : هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَقَائِمٌ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ . قِيلَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : ذَلِكَ يَوْمَ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ الْحَدِيثَ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ ، وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ ، لِأَنَّهَا أَعَمُّ ، أَتَرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ ؟ وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاذَا وَرَدَ عَلَيْكَ فِي الشَّفَاعَةِ ؟ فَقَالَ : شَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا ، يُصَدِّقُ لِسَانُهُ قَلْبَهُ . وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُرِيتُ مَا تَلْقَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي ، وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ ، وَسَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا سَبَقَ لِأُمَمٍ قَبْلَهُمْ ، فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيهِمْ ، فَفَعَلَ . وَقَالَ حُذَيْفَةُ : يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ ، فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا ، سُكُوتًا لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فَيُنَادَى مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ ، وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، وَالْمُهْتَدِي مَنْ هَدَيْتَ ، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَلَكَ وَإِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ قَالَ : فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، فَتَبْقَى آخِرُ زُمْرَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَآخِرُ زُمْرَةٍ مِنَ النَّارِ ، فَتَقُولُ زُمْرَةُ النَّارِ لِزُمْرَةِ الْجَنَّةِ : مَا نَفَعَكُمْ إِيمَانُكُمْ ، فَيَدْعُونَ رَبَّهُمْ ، وَيَضِجُّونَ ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَيَسْأَلُونَ آدَمَ ، وَغَيْرَهُ بَعْدَهُ فِي الشَّفَاعَةِ لَهُمْ ، فَكُلٌّ يَعْتَذِرُ حَتَّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيَشْفَعُ لَهُمْ ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ . وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا ، ، وَمُجَاهِدٍ . وَذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِيَزِيدَ الْفَقِيرِ : سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِيهِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ يَعْنِي مِنَ النَّارِ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي إِخْرَاجِ الْجَهَنَّمِيِّينَ . وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ ، وَقَالَ : فَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهُ . وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمَا ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ أَوْ قَالَ : فَيُلْهَمُونَ فَيَقُولُونَ : لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا . وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ ، عَنْهُ : مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَتَدْنُو الشَّمْسُ ، فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ مَا لَا يُطِيقُونَ ، وَلَا يَحْتَمِلُونَ ، فَيَقُولُونَ : أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ ، زَادَ بَعْضُهُمْ : أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ . فَيَقُولُ : إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ . فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ : أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ، أَلَا تَرَى مَا بَلَغَنَا ؟ ! أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ؟ فَيَقُولُ : إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، نَفْسِي ! نَفْسِي ! قَالَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ : وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ : سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَقَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي . اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ ، وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا . . . فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ . نَفْسِي ، نَفْسِي ، لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى ، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَإِنَّهُ عَبْدٌ آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ ، وَكَلَّمَهُ ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا . قَالَ : فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ ، وَقَتْلَهُ النَّفْسَ ، نَفْسِي نَفْسِي ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى ، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ ، وَكَلِمَتُهُ . فَيَأْتُونَ عِيسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ، عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَا تَأَخَّرَ . فَأُوتَى ، فَأَقُولُ : أَنَا لَهَا . فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي ، فَيُؤْذَنُ لِي ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ ، وَقَعْتُ سَاجِدًا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَأَخِرُّ سَاجِدًا . وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَحْمَدُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يُلْهِمَنِيهَا اللَّهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي . قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهُ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ أُمَّتِي ، يَا رَبِّ أُمَّتِي . فَيَقُولُ : أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هَذَا الْفَصْلَ ، وَقَالَ مَكَانَهُ : ثُمَّ أَخِرُّ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، وَسَلْ تُعْطَهُ . فَأَقُولُ : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي . فَيُقَالُ : انْطَلِقْ ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ . ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَذَكَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ فِيهِ : مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ . قَالَ : فَأَفْعَلُ ، ثُمَّ أَرْجِعُ . . . وَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ فِيهِ : مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، فَأَفْعَلُ . وَذَكَرَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ : فَيُقَالُ لِي : ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، وَسَلْ تُعْطَهُ . فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ . وَلَكِنْ ، وَعِزَّتِي ، وَكِبْرِيَائِي ، وَعَظَمَتِي ، وَجِبْرِيَائِي لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَمِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْهُ ، قَالَ : فَأَقُولُ يَا رَبِّ ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ . وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَحُذَيْفَةَ مِثْلُهُ ، قَالَ : فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيُؤْذَنُ لَهُ ، وَتَأْتِي الْأَمَانَةُ ، وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ . وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ : فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَشْفَعُ ، فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ فَيَمُرُّونَ : أَوَّلُهُمْ كَالْبَرْقِ ، ثُمَّ كَالرِّيحِ ، وَالطَّيْرِ ، وَشَدِّ الرِّجَالِ ، وَنَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، حَتَّى يَجْتَازَ النَّاسُ . وَذَكَرَ آخِرَهُمْ جَوَازًا . . . الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُوضَعُ لِلْأَنْبِيَاءِ مَنَابِرُ يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا ، وَيَبْقَى مِنْبَرِي لَا أَجْلِسُ عَلَيْهِ قَائِمًا ، بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي مُنْتَصِبًا ، فَيَقُولُ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : مَا تُرِيدُ بِأُمَّتِكَ ؟ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ، عَجِّلْ حِسَابَهُمْ ، فَيُدْعَى بِهِمْ ، فَيُحَاسَبُونَ . فَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ بِرَحْمَتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِي ، وَلَا أَزَالُ أَشْفَعُ حَتَّى أُعْطَى صِكَاكًا بِرِجَالٍ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، حَتَّى إِنَّ خَازِنَ النَّارِ لَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، مَا تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ فِي أُمَّتِكَ مِنْ نِقْمَةٍ . وَمِنْ طَرِيقِ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْفَلِقُ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِهِ ، وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا فَخْرَ ، وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تُفْتَحُ لَهُ الْجَنَّةُ ، وَلَا فَخْرَ ، فَآتِي فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ : مَنْ هَذَا ؟ فَأَقُولُ : مُحَمَّدٌ ، فَيُفْتَحُ لِي ، فَيَسْتَقْبِلُنِي الْجَبَّارُ - تَعَالَى - ، فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا . . . وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ . وَمِنْ رِوَايَةِ أُنَيْسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَأَشْفَعَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَكْثَرَ مِمَّا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ ، وَشَجَرٍ . فَقَدِ اجْتَمَعَ مِنَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ شَفَاعَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَقَامَهُ الْمَحْمُودَ مِنْ أَوَّلِ الشَّفَاعَاتِ إِلَى آخِرِهَا ، مِنْ حِينِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ لِلْحَشْرِ ، وَتَضِيقُ بِهِمُ الْحَنَاجِرُ ، وَيَبْلُغُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ ، وَالشَّمْسُ ، وَالْوُقُوفُ مَبْلَغَهُ ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْحِسَابِ ، فَيَشْفَعُ حِينَئِذٍ لِإِرَاحَةِ النَّاسِ مِنَ الْمَوْقِفِ ، ثُمَّ يُوضَعُ الصِّرَاطُ ، وَيُحَاسَبُ النَّاسُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحُذَيْفَةَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَتْقَنُ ، فَيُشَفَّعُ فِي تَعْجِيلِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ يَشْفَعُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ، وَدَخَلَ النَّارَ مِنْهُمْ حَسَبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، ثُمَّ فِيمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَلَيْسَ هَذَا لِسِوَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِي الْحَدِيثِ الْمُنْتَشِرِ الصَّحِيحِ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : مَعْنَاهُ دَعْوَةٌ أَعْلَمُ أَنَّهَا تُسْتَجَابُ لَهُمْ ، وَيَبْلُغُ فِيهَا مَرْغُوبُهُمْ ، وَإِلَّا فَكَمْ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ مِنْ دَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ ، وَلِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا لَا يُعَدُّ ، لَكِنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ بِهَا بَيْنَ الرَّجَاءِ ، وَالْخَوْفِ ، وَضُمِنَتْ لَهُمْ إِجَابَةُ دَعْوَةٍ فِيمَا شَاءُوهُ يَدْعُونَ بِهَا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْإِجَابَةِ . وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَدَّخِرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ . وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . فَتَكُونُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمَذْكُورَةُ مَخْصُوصَةً بِالْأُمَّةِ مَضْمُونَةَ الْإِجَابَةِ ، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَأَلَ لِأُمَّتِهِ أَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ، وَالدُّنْيَا ، وَأُعْطِيَ بَعْضَهَا ، وَمُنِعَ بَعْضَهَا ، وَادَّخَرَ لَهُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ لِيَوْمِ الْفَاقَةِ ، وَخَاتِمَةِ الْمِحَنِ ، وَعَظِيمِ السُّؤَالِ ، وَالرَّغْبَةِ . جَزَاهُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية