الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
عَاصِمٌ حَمِيُّ الدَّبْرِ كَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَثَبَتَ حِينَ وَلَّى النَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ، وَبَايَعَهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ مِنَ الرُّمَاةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذُكِرَ أَنَّهُ قَتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ أَصْحَابِ اللِّوَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْحَارِثَ وَشَافِعًا ابْنَيْ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَأُمُّهُمَا سُلَافَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ الشَّهِيدِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَذَرَتْ أَنْ تَشْرَبَ فِي رَأْسِ عَاصِمٍ الْخَمْرَ، وَجَعَلَتْ لِمَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ، فَقَدِمَ نَاسٌ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ سِتَّةَ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ. فَلَمَّا صَارُوا عَلَى الرَّجِيعِ اسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمْ يَشْعُرُوا وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ إِلَّا وَبَارِقَةُ السُّيُوفِ قَدْ غَشِيَتْهُمْ. فَقَاتَلَهُمْ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ حَتَّى قُتِلُوا، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَاسْتَأْسَرُوا وَحَالَ بَيْنَ الَّذِينَ قَتَلُوا وَبَيْنَ رَأْسِ عَاصِمٍ أَنْ يَأْخُذُوهُ الدَّبْرُ، فَتَرَكُوهُ وَقَالُوا: حَتَّى نُمْسِيَ فَنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ السَّيْلَ إِلَى الْوَادِي فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا فَذَهَبَ بِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَالدَّبْرُ النَّحْلُ كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ : إِذَا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلِ وَيُرْوَى: عَوَاسِلِ. النَّوْبُ: السُّودُ مِنَ النَّوْبَةِ وَاللَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ، وَيُرْوَى إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّوْبَ الَّذِينَ يَنُوبُونَ وَلَيْسَ مِنَ اللَّوْنِ. وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا " مَعْنَاهُ لَمْ يَخِفَّ. وَقِيلَ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: " مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا " إِنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّاجِزِ: مَا تَرْتَجِي حِينَ تُلَاقِي الزَّائِدَا أَسَبْعَةً لَاقَتْ مَعًا أَوْ وَاحِدَا وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: لَعَمْرُكَ مَا أَرْجُو إِذَا كُنْتُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي يَعْنِي: مَا أَخَافُ، وَقِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ إِنَّ مَعْنَاهُ وَتَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَخَافُونَ، وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا قُطْرُبٌ. قَالَ الْقَاضِي: كَأَنَّمَا اخْتُزِلَ الرَّجَاءُ بَيْنَ الْأَمَلِ وَالْخَوْفِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُنْتَظَرُ وَيُرْتَجَى وَيُتَوَقَّعُ، وَلَيْسَ الْمَخْلُوقُونَ مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ يَثِقُونَ بِهِ وَيَرْقُبُونَهُ وَيَقْطَعُونَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. وَأَنْكَرَ الْفَرَّاءُ مَا ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ: الْعَرَبُ تَذْهَبُ بِالرَّجَاءِ مَذْهَبَ الْخَوْفِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُ هَذَا فِي الْجَحْدِ وَالنَّفْيِ. وَالْأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاعِرُ مِنْ وَلَدِ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية