الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
تَفْسِيرُ مَا غَمُضَ فِي كَلِمَةِ عَلِيٍّ قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ " ذِمَّتِي رَهِينَةٌ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ " إِبَانَةٌ عَنْ تَيَقُّنِهِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَبَصِيرَتِهِ فِيهِ وَثِقَتِهِ بِحَقِيقَتِهِ وَتَوْثِيقِهِ لِمَنْ أَخْبَرَهُ بِثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ فَإِنَّ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ هَاءُ الضَّمِيرِ فِي جُمْلَةِ الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُهُ وَفَحْوَاهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنَا بِقَوْلِي زَعِيمٌ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِصَرِيحِ اسْمِ خَاصٍّ وَلَا مَصْدَرٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ أَصْلُهُ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فَصِيحٌ فَاشٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ يَأْتِي فِي مِثْلِ هَذَا فِعْلٌ أَوِ اسْمُ فَاعِلٍ يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ دُونَ لَفْظِ جُمْلَةٍ مِنْ كَلَامٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَى مَصْدَرِهِ فَكَقَوْلِهِمْ: مَنْ كَذَبَ كَانَ شَرًّا لَهُ؛ أُضْمِرَ فِي كَانَ الْكَذِبُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَذَبَ، وَعَادَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ عَلَى بِنْيَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ يَعْنِي الْبُخْلَ الَّذِي لَمْ يَأْتِ عَلَى خَاصِّ لَفْظِهِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا اسْمُ الْفَاعِلِ فَكَقَوْلِهِمْ: إِذَا أَحْسَنَ كَمَا أُمِرَ فَجَازِهِ عَلَيْهِ، يُرِيدُ عَلَى إِحْسَانِهِ الَّذِي دَلَّ أَحْسَنَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ عَائِدُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلَى خِلَافِ أَرَادَ إِلَى السَّفِيهِ، عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَقَدْ يَكْتَفُونَ فِي هَذَا الْبَابِ بِدَلَالَةِ الْعَهْدِ وَالْحَالِ وَتَجَلِّي الْأَمْرِ الشَّائِعِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَمْ يَجْرِ لَهَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ذِكْرٌ. وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَقَالَ: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ يَعْنِي الشَّمْسَ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الشَّاعِرُ: هَذَا مَقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ غَدْوَةً حَتَّى دَلَكَتْ بَرَاحِ يُرِيدُ الشَّمْسَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا يُرِيدُ الْوَادِيَ أَوِ الْمَوْضِعَ أَوِ الْمَكَانَ أَوِ الْمَنْزِلَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَلَهُ شَرْحٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَقَدْ أَتَيْنَا مِنْهُ هَاهُنَا بِمَا يَكْفِي مَعَهُ بَعْضُهُ بَلْ هُوَ جَمِيعُهُ. وَأَمَّا الزَّعِيمُ فَإِنَّهُ الْكَفِيلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الزَّعِيمُ غَارِمٌ. وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ وَيُقَالُ: فُلَانٌ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَيِ الْقَائِمُ بِأُمُورِهِمُ الْمُتَكَفِّلُ بِهَا. وَمِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ فِي ذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: وَصَارَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ. قَالَ الشَّاعِرُ: إِنِّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْقَةُ إِنْ نَجَوْتُ مِنَ الرَّوَاحِ وَسَلِمْتُ مِنْ غَرَضِ الْحُتُو فِ مَعَ الْغُدُوِّ إِلَى الرَّوَاحِ أَنْ تَهْبِطِينَ بِلَادَ قَوْ مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطَّلَاحِ وَيُقَالُ أَيْضًا فِي الزَّعِيمِ ضَمِينٌ وَقَبِيلٌ وَحَمِيلٌ، مِنَ الْقَبَالَةِ وَالْحَمَالَةِ، وَصَبِيرٌ وَتَبِيعٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: غَدَوْا وَغَدَتْ غِزْلَانُهُمْ وَكَأَنَّهُمْ ضَوَامِنُ غُرْمٍ أَزَّهُنَّ تَبِيعُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا إِنَّهُ بِمَعْنَى الْقَبِيلِ أَيِ الْكَفِيلِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مِنَ الْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَايَنَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا عَلَى أَقْوَالٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي كَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَفِي ضَمِّهِمَا، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مَشْرُوحٌ فِي كُتُبِنَا الَّتِي أَلَّفْنَاهَا فِي الْقِرَاءَاتِ وَالتَّأْوِيلِ. وَقَوْلُهُ: " لَا يَهِيجُ عَلَى التَّقْوَى " أَيْ يَفْسُدُ فَيَصِيرُ هَشِيمًا، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا . وَقَوْلُهُ: سِنْخِ أَصْلٍ، يُقَالُ قَلَعَ سِنَّهُ مِنْ سِنْخِهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ بِأَغْبَارِ الْفِتْنَةِ يَعْنِي بَقَايَاهَا، وَيُقَالُ بِفُلَانٍ غُبْرٌ مِنَ الْمَرَضِ أَيْ بَقَايَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَإِنْ سَأَلَتْ عَنِّي سُلَيْمَى فَقُلْ لَهَا بِهِ غُبْرٌ مِنْ دَائِهِ وَهُوَ صَالِحُ وَقَوْلُهُ: حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ، الْآجِنُ: الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ لِرُكُودِهِ وَطُولِ وُقُوفِهِ وَكَذَلِكَ الْآسِنُ، يُقَالُ: أَسَنَ الْمَاءُ يَأْسِنُ وَيَأْسُنُ وَأَجِنَ يَأْجَنُ وَيَأْجُنُ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ غَيْرَ أَسِنٍ، مَقْصُورَ الْهَمْزَةِ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ " إِنَّهُ مِنَ السَّنَةِ أَيْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ السُّنُونَ فَتُحِيلُهُ وَتُغَيِّرُهُ، وَوَصَلُوا بِالْهَاءِ وَوَقَفُوا عَلَيْهَا إِذْ كَانَتْ فِيهِ أَصْلًا، يَقُولُونَ: بِعْتُهُ مُسَانَهَةً وَمُسَانَاةً، فَجَعَلَ مَنْ قَرَأَ هَكَذَا الْهَاءَ لَامَ الْفِعْلِ وَأَصْلًا فِيهِ، وَأَثْبَتَ الْهَاءَ فِيهِ آخَرُونَ زَائِدَةً لِلسَّكْتِ إِذَا وَقَفُوا كَقَوْلِهِ اقْتَدِهْ، وَكَقَوْلِهِمْ: ارْمِهِ وَتَعَالَهْ وَحَذَفُوهَا فِي الْوَصْلِ فَقَالُوا: يَتَسَنَّ وَانْظُرْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مِنْ أَسِنَ الْمَاءُ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ عِنْدَنَا غَلَطٌ مِنْ مُتَأَوِّلِيهِ، وَذَهَابٌ عَنْ وَجْهِ الصَّوَابِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا تَوَهَّمُوهُ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَتَأَسَّنْ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ فَاءُ الْفِعْلِ، وَالسِّينَ عَيْنُهُ وَالنُّونَ لَامُهُ، وَإِشْبَاعُ هَذَا فِي مَا أَلَّفْنَاهُ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ مَعَانِيهِ. وَمِنَ الْآجِنِ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ. يَا رُبَّ مَاءٍ آجِنٍ وَرَدْتُهُ سَبِيلُهُ خَائِفٌ جَدِيبُ رِيشُ الْحَمَامِ عَلَى أَرْجَائِهِ لِلْقَلْبِ مِنْ خَوْفِهِ وَجِيبُ وَقَوْلُهُ: خِبَاطَ عَشَوَاتٍ يَعْنِي الظُّلْمَ. وَهَذَا الْفَرِيقُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْجَهَلَةِ الْأَرَاذِلِ السَّفَلَةِ قَدْ كَثُرُوا فِي زَمَانِنَا، وَغَلَبُوا عَلَى أَهْلِهِ، وَاسْتَعْلَوْا عَلَى عُلَمَائِهِ وَالرَّبَّانِيِّينَ فِيهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى. وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا ".

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية