الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
التَّعْلِيقُ عَلَى الْخَبَرِ بِأَكْمَلِهِ قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي قَدَّمْنَا رِوَايَتَهُ: أَصَابَتْنَا سِنُونَ مُجْحِفَةٌ مُبْلِطَةٌ، فَمُجْحِفَةٌ الَّتِي قَدْ جَهِدْتُمْ وَأَصَارَتْهُمْ إِلَى اخْتِلَالِ أَحْوَالِهِمْ، وَالنَّقْصِ الْبَيِّنِ فِي وَفْرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قَالَ الشَّاعِرُ: لَوْ قَدْ نَزَلْتَ بِهِمْ تُرِيدُ قِرَاهُمُ مَنَعُوكَ مِنْ جَهْدٍ وَمِنْ إِجْحَافِ وَالْمُبْلِطَةُ عَلَى نَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ الَّتِي فَرَّقَتْ جَمَاعَتَهُمْ، وَشَتَّتَتْ شَمْلَهُمْ، وَفَرَّقَتْهُمْ لِلْقَحْطِ الَّذِي لَا مُقَامَ مَعَهُ، وَالْجَدْبِ الَّذِي لَا صَبْرَ عَلَيْهِ، وَقَدْ حَدَّثَنَا الْمُظَفَّرُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْمَرْثَدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْحِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقُرْمُطِيُّ الْوَالِبِيُّ: الْإِبْلَاطُ غَايَةُ الْجَهْدِ وَالْحَاجَةِ، قَدْ أَبْلَطَ الرَّجُلُ، وَالسَّنَةُ الْمُبْلِطَةُ الَّتِي قَدْ أَكَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ تَدَعْ شَيْئًا. وَقَوْلُهَا: لَمْ تَدَعْ لَنَا هُبَعًا وَلَا رُبَعًا: الرُّبَعُ مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي تَأْتِي فِي أَوَّلِ النِّتَاجِ وَالْهُبَعُ الَّتِي تَأْتِي فِي آخِرِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَا وَجْدُ ثَكْلَى كَمَا وَجِدَتْ وَلَا أُمٌّ أَضَلَّهَا رُبَعُ وَقَالَ الْأَعْشَى: تَلْوِي بِعِذِقِ خِضَابٍ كُلَّمَا خَطَرَتْ عَنْ فَرْجِ مَعْقُومَةٍ لَمْ تَتَّبِعْ رُبَعًا وَيُقَالُ لَهُ رَبِيعٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ رِبْعِيُّونْ وَقَالَ آخَرُ: إِذْ هِيَ أَحْوَى مِنَ الرِّبْعِيِّ، حَاجِبُهُ وَالْعَيْنُ بِالْإِثْمِدِ الْحَارِيِّ مَكْحُولُ وَرُوِيَ أَنَّ دَرَاهِمَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ كَانَتْ كَأَخْفَافِ الرِّبْعِ وَيُرْوَى أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا جُعِلَ للنُّبُوَّةِ تَفَسَّخَ تَحْتَهَا كَمَا يَتَفَسَّخُ الرَّبُعُ تَحْتَ الْحِمْلِ الثَّقِيلِ. وَقَوْلُهَا: وَلَا عَافِطَةَ، تُرِيدُ الْوَاحِدَةَ مِنَ الضَّأْنِ، وَلَا نَافِطَةَ، الْوَاحِدَةُ مِنَ الْمَعْزِ، يُقَالُ: نَفَطَتِ الْعَنْزُ وَعَفَطَتِ الضَّائِنَةُ، وَهُمَا مِنْهُمَا كَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْثَارِ مِنَ النَّاسِ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ تَدَعْ لَنَا عَنْزًا وَلَا ضَأْنًا، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُمْ: مَالَهُ سَبَدٌ وَلَا لَبَدٌ، يُرِيدُونَ شَاةً وَلَا نَاقَةً، وَقَدْ يُقَالُ لِلصُّوفِ: لَبَدٌ، وَالسَّبَدُ: الشَّعْرُ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: لَمْ تَبْقَ لَهُ ثَاغِيَةٌ وَلَا رَاغِيَةٌ أَيْ شَاةٌ وَلَا بَعِيرٌ، فَالثُّغَاءُ صَوْتُ الْغَنَمِ وَالرُّغَاءُ صَوْتُ الْإِبِلِ، وَمِنَ الرُّغَاءِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: رَغَا فَوْقَهُمْ سَقْبُ السَّمَاءِ فَدَاحِصٌ بِشِكَّتِهِ لَمْ يُسْتَلَبْ فَسَلِيبُ يَعْنِي سَقْبَ نَاقَةِ صَالِحٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَلَمَّا رَأَى الرَّحْمَنُ أَنْ لَيْسَ فِيهِمْ رَشِيدٌ وَلَا نَاهٍ أَخَاهُ عَنِ الْغَدْرِ وَصَبَّ عَلَيْهِ تَغْلِبَ ابْنَةَ وَائِلٍ فَكَانَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ رَاغِيَةِ الْبَكْرِ وَمِنَ السَّبَدِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبْدُ وَفِي الطَّيْرِ طَائِرٌ يُقَالُ لَهُ السَّبَدُ لِوُفُورِ رِيشِهِ. وَقَوْلُهَا: فَمَا وَلَدَ الْأَبْكَارُ وَالْعُونُ مِثْلَهُ، الْعُونُ: جَمْعُ عَوَانٍ وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي صِفَةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَيُقَالُ: حَرْبٌ عَوَانٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُبْتَدَأَةً، وَحَاجَةٌ عَوَانٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ بِكْرَ الْحَاجِ، قَالَ الشَّعَّارُ: قُعُودًا لَدَى الْأَبْوَابِ طَالِبُ حَاجَةٍ عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةٍ بِكْرِ وَمِمَّا نَسْتَحْسِنُهُ لِبَعْضِ الْمُحْدَثِينَ فِي مُعَاتَبَةِ بَعْضِ ذَوِي الْخِيَانَةِ مِنَ الْإِخْوَانِ: وَكُنْتَ أَخِي بِإِخَاءِ الزَّمَانِ فَلَمَّا انْقَضَى صِرْتَ حَرْبًا عَوَانًا وَكُنْتُ أَعُدُّكَ لِلنَّائِبَاتِ فَهَا أَنَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْأْمَانَا وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ الْآخَرِ: أَيَا مَوْلَايَ صِرْتَ قَذًى لِعَيْنَيَّ وَسِتْرًا بَيْنَ جَفْنِي وَالْمَنَامِ وَكُنْتَ مِنَ الْحَوَادِثِ لِي مَلَاذًا فَصِرْتَ مَعَ الْحَوَادِثِ فِي نِظَامِ وَكُنْتَ مِنَ الْمَصَائِبِ لِي عَزَاءً فَصِرْتَ مِنَ الْمُصِيبَاتِ الْعِظَامِ وَقَالَ آخَرُ: هَبِ الزَّمَانَ زَمَانِي الشَّانُ فِي الْخِلَّانِ يَا مَنْ رَمَانِي لَمَّا رَأَى الزَّمَانَ رَمَانِي وَمَنْ ذَخَرْتُ لِنَفْسِي فَعَادَ ذُخْرَ الزَّمَانِ لَوْ قِيلَ لِي خُذْ أَمَانًا مِنْ أَعْظَمِ الْحَدَثَانِ لَمَا أَخَذْتُ أَمَانًا إِلَّا مِنَ الْإِخْوَانِ وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ: تَخِذْتُكُمُ ظَهْرًا وَعَوْنًا لِتَدْفَعُوا نُبَالَ الْعِدَا عَنِّي فَصِرْتُمْ نِصَالَهَا وَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو مِنْكُمْ خَيْرَ صَاحِبٍ عَلَى حِينِ خُذْلَانِ الْيَمِينِ شِمَالَهَا فَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَحْفَظُوا لِمَوَدَّتِي فَكُونُوا كَفَافًا لَا عَلَيْهَا وَلَا لَهَا قِفُوا مَوْقِفَ الْمَعْذُورِ عَنِّي بِمَعْزِلٍ وَخَلُّوا نِبَالِي وَالْعِدَا وَنِبَالَهَا وَمِمَّا يُضَارِعُ هَذَا النَّوْعَ بَعْضَ الْمُضَارَعَةِ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: عَدُوُّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادٌ فَلَا تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ وَأَعْجَبَهُ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: عَدُوُّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادٌ فَلَا تُكْثِرَنَّ مِنَ الصَّدِيقِ فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ يَكُونُ مِنَ الْمُسَوَّغِ فِي الْحُلُوقِ وَهَذَا بَابٌ إِنِ اسْتَقْصَيْنَاهُ طَالَ جِدًّا وَتَجَاوَزْنَا بِهِ حَدَّ الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِنْ مَجَالِسِ كِتَابِنَا هَذَا، وَلَمْ يُبْنَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى اسْتِيفَاءِ أَبْوَابِ أَنْوَاعِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُوَشَّحًا مُمْتَزِجًا، بِمَنْزِلَةِ الْحَدَائِقِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَقَعُ الْأُنْسُ بِمُشَاهَدَتِهَا، وَالِالْتِذَاذُ بِجَنَاهَا، وَالِانْتِفَاعُ بِثَمَرِهَا. وَقَوْلُ تَوْبَةَ: وَأُشْرِفُ بِالْقَوْزِ الْيَفَاعِ، الْقَوْزُ: الْوَاحِدُ مِنْ أَقْوَازِ الرَّمْلِ وَهُوَ مَا عَلَا وَأَشْرَفَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْيَفَاعُ مَا ارْتَفَعَ، وَقَالَ: أَيْفَعَ الْغُلَامُ فَهُوَ يَافِعٌ إِذَا ارْتَفَعَ، وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ أَبْوَابِ الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى أَفْعَلَ فَهُوَ فَاعِلٌ، وَلَهُ أَخَوَاتٌ مَعْدُودَةٌ مِنْهَا: أَوَرَفَ الظِّلُّ فَهُوَ وَارِفٌ، وَأَوْرَسَ الرِّمْثُ فَهُوَ وَارِسٌ، وَقَدْ قَالَ النَّابِغَةُ: كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَوَاكِبِ بِمَعْنَى مُنْصِبٍ، كَمَا قَالَ فِي كَلِمَةٍ أُخْرَى: تَعَنَّاكَ هَمٌّ مِنْ أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ وَقَوْلُهُ: أَرَى نَارَ لَيْلَى أَوْ يَرَانِي بَصِيرُهَا، أَيْ يَرَانِي الْمُبْصِرُ بِهَا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَيْلٌ نَائِمٌ وَسِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَنُومٌ وَمَكْتُومٌ، قَالَ جَرِيرٌ: لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلَانَ فِي السُّرَى وَنِمْتِ، وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية