الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
أَشْرَفُ مِنْ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ مَنْ أَكْفَأَ عَلَيْهِ إِنَاءَهُ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَلْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ يَزِيدُ ابْنُهُ ، فَجَعَلَ يَزِيدُ يُعَرِّضُ بِعَبْدِ اللَّهِ فِي كَلَامِهِ وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْإِسْرَافِ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِيَزِيدَ : إِنِّي لَأَرْفَعُ نَفْسِي عَنْ جَوَابِكَ ، وَلَوْ صَاحِبُ السَّرِيرِ يُكَلِّمُنِي لَأَجَبْتُهُ؛ قَالَ مُعَاوِيَةُ : كَأَنَّكَ تَظُنُّ أَنَّكَ أَشْرَفُ مِنْهُ قَالَ : إِي وَاللَّهِ ، وَمِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ وَجَدِّكَ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا فِي عَصْرِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : بَلَى وَاللَّهِ يَا مُعَاوِيَةُ ، إِنَّ أَشْرَفَ مِنْ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ مَنْ أَكْفَأَ عَلَيْهِ إِنَاءَهُ وَأَجَارَهُ بِرِدَائَهِ ، قَالَ : صَدَقْتَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ ، سَلْ حَاجَتَكَ فَقَضَى حَوَائِجَهُ وَخَرَجَ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : وَمَعْنَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ لِمُعَاوِيَةَ إِنَّ أَشْرَفَ مِنْ حَرْبٍ مَنْ أَكْفَأَ عَلَيْهِ إِنَاءَهُ وَأَجَارَهُ بِرِدَائِهِ ، لِأَنَّ حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَضَتْ لَهُ ثَنِيَّةٌ أَوْ عَقَبَةٌ تَنَحْنَحَ فَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يَرْقَاهَا حَتَّى يَجُوزَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَكَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَضَتْ لَهُ ثَنِيَّةً فَتَنَحْنَحَ ، فَوَقَفَ النَّاسُ لِيَجُوزَ ، فَجَاءَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ : وَمَنْ حَرْبٌ؟ ثُمَّ تَقَدَّمَهُ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ حَرْبٌ وَتَهَدَّدَهُ وَقَالَ سَيُمَكِّنُنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْكَ إِذَا دَخَلْتَ مَكَّةَ . فَضَرَبَ الدَّهْرُ مَنْ ضَرَبَهُ ، ثُمَّ إِنَّ التَّمِيمِيَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِمَكَّةَ فَسَأَلَ عَنْ أَعَزِّ أَهْلِ مَكَّةَ فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ ، فَقَالَ : أَرَدْتُ دُونَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَرَعَ عَلَيْهِ بَابَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَقَالَ مَا أَنْتَ؟ إِنْ كُنْتَ مُسْتَجِيرًا أَجَرْنَاكَ ، وَإِنْ كُنْتَ طَالِبَ قِرًى قَرَيْنَاكَ ، فَأَنْشَأَ التَّمِيمِيُّ يَقُولُ : لَاقَيْتُ حَرْبًا بِالثَّنِيَّةِ مُقْبِلًا وَالصُّبْحُ أَبْلَجُ ضَوْءُهُ لِلسَّارِي قِفْ لَا تُصَاعِدْ وَاكْتَنَى لِيُرَوِّعنِي وَدَعَا بِدَعْوَةِ مُعْلِنٍ وَشِعَارِ فَتَرَكْتُهُ خَلْفِي وَسِرْتُ أَمَامَهُ وَكَذَاكَ كُنْتُ أَكُونُ فِي الْأَسْفَارِ فَمَضَى يُهَدِّدُنِي الْوَعِيدَ بِبَلْدَةٍ فِيهَا الزُّبَيْرُ كَمِثْلِ لَيْثٍ ضَارِ فَتَرَكْتُهُ كَالْكَلْبِ يَنْبَحُ وَحْدَهُ وَأَتَيْتُ قَوْمَ مَكَارِمٍ وَفَخَارِ قَوْمًا هِزَبْرًا يُسْتَجَارُ بِقُرْبِهِ رَحْبَ الْمَبَاءَةِ مُكْرِمًا لِلْجَارِ وَحَلَفْتُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَرُكْنِهِ وَبِزَمْزَمَ وَالْحَجَرِ ذِي الْأَسْتَارِ إِنْ لَا لِزُبَيْرٍ لِمَانِعِي بِمُهَنَّدٍ عَضْبِ الْمَهْزَةِ صَارِمٍ بَتَّارِ فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ : قَدْ أَجَرْتُكَ ، وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَسِرْ أَمَامِي فَإِنَّا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِذَا أَجَرْنَا رَجُلًا لَمْ نَتَقَدَّمْهُ ، فَمَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَالزُّبَيْرُ فِي أَثَرِهِ ، فَلَقِيَهُ حَرْبٌ فَقَالَ : التَّمِيمِيُّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ الزُّبَيْرُ وَنَادَى فِي إِخْوَتِهِ ، وَمَضَى حَرْبٌ يَشْتَدُّ وَالزُّبَيْرُ فِي أَثَرِهِ حَتَّى صَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَارِجًا مِنَ الدَّارِ فَقَالَ : مَهْيَمْ يَا حَرْبُ ، قَالَ : ابْنُكَ ، قَالَ : ادْخُلِ الدَّارَ ، فَدَخَلَ فَأَكْفَأَ عَلَيْهِ جَفْنَةَ هَاشِمٍ الَّتِي كَانَ يُهَشِّمُ فِيهَا الثَّرِيدَ ، وَتَلَاحَقَ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَثَرِ بَعْضٍ فَلَمْ يَجْتَرِئُوا أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ أَبِيهِمْ ، فَاحْتَبَوْا بِحَمَائِلِ سُيُوفِهِمْ وَجَلَسُوا عَلَى الْبَابِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ سَرَّهُ مَا رَأَى مِنْهُمْ ، فَقَالَ : يَا بَنِيَّ أَصْبَحْتُمْ أَسْوَدَ الْعَرَبِ . ثُمَّ دَخَلَ إِلَى حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ : قُمْ فَاخْرُجْ ، فَقَالَ : يَا بَنِيَّ أَصْبَحْتُمْ أَسْوَدَ الْعَرَبِ . ثُمَّ دَخَلَ إِلَى حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ : قُمْ فَاخْرُجْ ، فَقَالَ يَا بَنِيَّ أَصْبَحْتُمْ أَسْوَدَ الْعَرَبِ . ثُمَّ دَخَلَ إِلَى حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ : قُمْ فَاخْرُجْ ، فَقَالَ يَا أَبَا الْحَارِثِ هَرَبْتَ مِنْ وَاحِدٍ وَاخْرُجْ إِلَى عَشَرَةٍ؟ فَقَالَ : خُذْ رِدَائِي هَذَا فَالْبَسْهُ فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا رِدَائِي عَلَيْكَ لَمْ يُهَيِّجُوكَ . فَلَبِسَ رِدَاءَهُ وَخَرَجَ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى الرِّدَاءِ عَلَيْهِ نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ ، وَمَضَى حَرْبٌ ، فَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّ أَشْرَفَ مِنْ حَرْبٍ ، مَنْ أَكْفَأَ عَلَيْهِ إِنَاءَهُ وَأَجَارَهُ بِرِدَائِهِ . حَذْفُ الْقَوْلِ وَإِضْمَارُهُ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُ التَّمِيمِيِّ جَارِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ بَيْتِهِ الثَّانِي مِنْ كَلِمَتِهِ قِفْ لَا تُصَاعِدْ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي آخِرِ بَيْتِهِ الْأَوَّلِ : وَالصُّبْحُ أَبْلَجُ ضَوْءُهُ لِلسَّارِي مَعْنَاهُ : فَقَالَ قِفْ ، فَأَضْمَرَ الْقَوْلَ . وَحَذَفَ الْقَوْلَ وَإِضْمَارُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ الْمَعْنَى يَقُولُونَ : سَلَامُ عَلَيْكُمْ؛ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْعَرَبِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : مَا لِلْجِفَانِ تَخَطَّانِي كَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُفْ حَوْلَ ذُرَى بَيْتِي مَسَاكِينُ أَرَادَ كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ، وَقَالَ آخَرُ : وَقَائِلَةٍ مَا بَالُ لَوْنِكَ شَاحِبًا كَأَنَّكَ يَحْمِيكَ الطَّعَامُ طَبِيبُ تَتَابَعُ أَحْدَاثٌ تَخْرِمْنَ مَنِيَّتِي وَأَبْلَيْنَ جِسْمِي فَالْفُؤَادُ كَئِيبُ فَأَضْمَرَ الْقَوْلَ . وَفِي هَذَا الْخَبَرِ : " أَكْفَأَ عَلَيْهِ الْإِنَاءَ " أَيِ الْجَفْنَةَ وَالْفَصِيحُ السَّائِرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : كَفَأْتُ الْإِنَاءَ ، فَأَمَّا أَكْفَأْتُ فَإِنَّمَا يُقَالُ فِي بَعْضِ عُيُوبِ الشِّعْرِ ، يُقَالُ : أَكْفَأَ الشَّاعِرُ يُكْفِئُ إِكْفَاءً . وَبَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقَوَافِي خِلَافٌ فِي مَاهِيَّتِهِ ، وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية