الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
شَرْحُ النَّصِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ : قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ : وَأَخْمَصِهِمْ مِنْ أَذَاهَا بَطْنًا : مِنَ الْمَخْمَصَةِ ، وَهِيَ الْمَجَاعَةُ ، وَخَمْصُ الْبَطْنِ اضْطِمَارُهُ ، يُقَالُ : بَطْنٌ خَمِيصٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ وَمِنَ الْخَمْصِ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ : تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاءً بُطُونُكُمْ وَجَارَاتُكُمْ غُبْرٌ يَبِتْنَ خَمَائِصَا وَيُرْوَى غَرْثَى أَيْ جِيَاعًا . وَيُقَالُ : امْرَأَةٌ خَمْصَانَةٌ إِذَا دَقَّ خَصْرُهَا . وَقَالَ الشَّاعِرُ : خَمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُهَا رَوْدُ الشَّبَابِ غِلَابُهَا عَظْمُ وَقَوْلُهُ : مُنْفَضِجُ الْبَطْنِ أَرَادَ خُلُوَّهُ مِنْ أَذَاهَا . وَقَوْلُهُ : أَفِيءُ عَلَيْهَا النِّهَابَ أَيْ أَرُدُّهُ وَيَتَّجِهُ فِي مَدْحِهِ نَفْسَهُ بِرَدِّهِ النِّهَابَ عَلَى قَوْمِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَعِيدَ مَا انْتَهَبَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَيَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَعِفُّ عَنْ غَنَائِمِهِمْ وَلَا يَسْتَأْثِرُ بِهَا فَيَحْوِيهَا لِنَفْسِهِ دُونَهُمْ ، كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ : يُخْبِرُكِ مَنْ شَهِدَ الْوَقِيعَةَ أَنَّنِي أَغْشَى الْوَغَى وَأَعِفُّ عِنْدَ الْمَغْنَمِ وَيُقَالُ : فَاءَ الشَّيْءُ إِذَا رَجَعَ . وَأَفَاءَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِهِ أَيْ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَيْ مَا رَدَّهُ؛ وَمِنَ الْفَيْءِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ : تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي وَالْفَيْئَةُ الرَّجْعَةُ . وَقَوْلُهُ : وَيَرْجِعُ مِنْ وُدِّهَا مَا نَأَى ، قَدْ عَطَفَهُ عَلَى قَوْلِهِ : فَإِنْ تَعْطِفُ الْيَوْمَ ، وَوَجْهُ الْإِعْرَابِ فِيهِ الْجَزْمُ ، إِذْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْزُومِ عَلَى مَا يَجِبُ فِي بَابِ الْجَزَاءِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْحَرَكَةِ لِتَمَامِ وَزْنِ الْبَيْتِ نَوَى النُّونَ الْخَفِيفَةَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : اضْرِبْ عَنْكَ الْهُمُومَ طَارِقَهَا ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الْفَرَسِ وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى إِرَادَةِ أَنْ وَبِمَعْنَى الْجَمْعِ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَا مَضَى مِنَ الْمَجَالِسِ . وَأَمَّا قَوْلُ خَفَّافٍ : الْآنَ لَمَّا فَدَحَتْهُ الْحَرْبُ مَعْنَاهُ أَثْقَلْتَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا لَمْ تَزَلْ يَوْمًا تُؤَدِّي أَمَانَةً وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَفَدَحَتْكَ الْمَغَارِمُ وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ : لَا يُتْرَكُ فِي الْإِسْلَامِ مُفَدَّحٌ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ الَّذِي قَدْ فَدَحَهُ الدَّيْنُ وَأَثْقَلَهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّوَايَةِ لَا يُتْرَكُ مُفْدَجٌ بِالْجِيمِ وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا أَحَدَ يُؤَدِّي عَنْهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ الْجَانِي الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ وَلَا عَاقِلَةَ تَعْقِلُهُ وَتُؤَدِّي عَنْهُ عَقْلَ جِنَايَتِهِ وَأَرَشَ جَرِيرَتِهِ . وَالدُّرَّةُ مَا يُحْتَلَبُ ، وَالْجَرَّةُ مَا يُجْتَرُّ . وَقَوْلُهُ : أَلْقَحْتَ حَرْبًا لَهَا دُرَّةً أَنَّهَا تُدِرُّ وَتَتَّصِلُ وَيَتْبَعُ بَعْضُ مَكْرُوهِهَا بَعْضًا . وَقَوْلُهُ : " زَبُونًا " أَيْ تَدْفَعُ بِبَأْسِهَا مَنْ أَصَابَتْهُ ، يُقَالُ : حَرْبٌ زَبُونٌ ، وَالزَّبْنُ : الدَّفْعُ ، وَيُقَالُ زَبَنَهُ أَيْ دَفَعَهُ ، وَمِنْهُ الزَّبَانِيَةُ ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَزْبِنُونَ أَيْ يَدْفَعُونَ أَهْلَ النَّارِ فِيهَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا أَيْ يُدْفَعُونَ فِيهَا دَفْعًا . وَيُقَالُ : نَاقَةٌ زَبُونٌ أَيْ تَدْفَعُ الْجِمَالَ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَمُسْتَعْجِبٌ مِمَّا يَرَى مِنْ أَنَاتِنَا وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمْ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، هُوَ مِنْ دَفْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَزَابِنَيْنِ مَا يَبِيعُهُ إِلَى صَاحِبِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية