الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَدْ قَارَبْتُكَ جُهْدِي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الْمَازِنِيِّ ، قَالَ : اجْتَمَعْتُ مَعَ يَعْقُوبَ بْنِ السُّكَيْتِ ، عَنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ ، فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ : سَلْ أَبَا يُوسُفَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَكَرِهْتُ ذَلِكَ وَجَعَلْتُ أَتَبَطَّأُ وَأُدَافِعُ ، مَخَافَةَ أَنْ أُوحِشَهُ لِأَنَّهُ كَانَ لِي صَدِيقًا ، فَأَلَحَّ عَلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَقَالَ لِي : لِمَ لَا تَسْأَلُهُ ؟ فَاجْتَهَدْتُ فِي اخْتِيَارِ مَسْأَلَةٍ سَهْلَةٍ لِأَقَارِبَ يَعْقُوبَ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا وَزْنُ " نَكْتَلْ " مِنَ الْفِعْلِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ فَقَالَ لِي : نَفْعَلُ ، فَقُلْتُ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَاضِيهِ كُتَلَ ، فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا وَزْنَهُ إِنَّمَا هُوَ نَفْتَعِلُ ، فَقُلْتُ لَهُ : نَفْتَعِلُ كَمْ هُوَ حَرْفٌ ؟ قَالَ : خَمْسَةُ أَحْرُفٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : فَنَكْتَلْ كَمْ حَرْفٍ هُوَ ؟ قَالَ : أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ ، فَقُلْتُ : لَهُ أَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ بِوَزْنِ خَمْسَةِ أَحْرُفٍ ، فَانْقَطَعَ وَخَجِلَ وَسَكَتَ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ : فَإِنَّمَا تَأْخُذُ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ مَا وَزَنَ نَكْتَلْ ؟ فَلَمَّا خَرَجْنَا ، قَالَ لِي يَعْقُوبُ : يَا أَبَا عُثْمَانَ ! هَلْ تَدْرِي مَا صَنَعْتَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : وَاللَّهِ لَقَدْ قَارَبْتُكَ جُهْدِي ، وَمَا لِي فِي هَذَا ذَنْبٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ : نَكْتَلْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ فِي أَوَّلِيَّتِهِ وَابْتِدَائِيَّتِهِ فِي مَاضِيهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ : كَالَ يَكِيلُ عَلَى فَعَلَ يَفْعِلُ ، مِثْلَ مَالَ يَمِيلُ وَقِيَاسُهُ فِي أَصْلِ تَقْدِيرِهِ كَيَلَ يَكْيِلُ ، نَظِيرُهُ مِنَ الصَّحِيحِ ضَرَبَ يَضْرِبُ ، إِلَّا أَنَّ الْيَاءَ فِي كَيَلَ انْقَلَبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا ، وَالْأَلِفُ لَا تَكُونُ إِلَّا سَاكِنَةً إِلَّا أَنَّهَا فِي نِيَّةِ حَرَكَةٍ وَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الْيَاءِ فِي الْمُضَارِعِ وَنُقِلَتْ كَسْرَتُهَا إِلَى الْكَافِ وَكَانَتْ سَاكِنَةً ، فَكُسِرَتْ إِذْ لَمْ يَسْتَقِمِ الْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ فَصَارَ نَكْتَلْ ، وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ : كِلْنَا نَكْتَلْ ، ثُمَّ لَمَّا زِيدَتِ التَّاءُ دَلَالَةً عَلَى الِافْتِعَالِ قِيلَ : اكْتَالَ نَكْتَالُ وَأَصْلُهُ اكْتِيلَ يَكْتِيلُ ، نَحْوَ افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ نَظِيرُهُ مِنَ الصَّحِيحِ : اكْتَتَبَ يَكْتَتِبُ وَاكْتَرَثَ يَكْتَرِثُ وَاسْتَبَقَ يَسْتَبِقُ ثُمَّ قُلِبَتِ الْيَاءُ مِنَ اكْتِيلَ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا ، فَصَارَ اكْتَالَ وَمُضَارِعُهُ يَكْتَالُ ، وَأَصْلُهُ يَكْتِيلُ ، وَفِي الْجَمْعِ نَكْتِيلُ وَزْنُهُ نَفْتَعِلُ ، فَلَمَّا قِيلَ نَكْتَلْ فَأُعْرِبَ بِالْجَزْمِ إِذْ هُوَ جَوَابُ الْأَمْرِ اقْتَضَى الْجَزْمُ سُكُونَ اللَّامِ ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ اللَّامُ وَالْأَلِفُ الْمُنْقَلِبَةُ مِنَ الْيَاءِ فَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ لِذَلِكَ فَبَقِيَ نَكْتَلْ ، وَوَزْنُهُ فِي الْأَصْلِ نَفْتَعِلُ ثُمَّ لَمَّا حُذِفَتِ الْأَلِفُ الْمُنْقَلِبَةُ مِنَ الْيَاءِ وَهِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ صَارَ نَكْتَلْ فَوَزْنُهُ نَفْتَلْ ، عَلَى طَرِيقَةِ التَّحْرِيرِ وَتَمْيِيزِ الزَّوَائِدِ مِنَ الْأُصُولِ بِالْعِبَارَةِ عَنِ الْأَصْلِيَّاتِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ وَتَسْمِيَةِ الزَّوَائِدِ بِأَنْفُسِهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ فِي وَزْنِ جَهُورٍ أَنَّهُ فَعُولٌ فَيُعَبَّرُ عَنِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ وَالرَّاءِ الْأَصْلِيَّاتِ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ ، وَتَأْتِي بِاسْمِهَا الْوَاوُ فَهِيَ الزِّيَادَةُ إِذْ لَيْسَتْ مِنَ الْفِعْلِ فَاءً وَلَا عَيْنًا وَلَا لَامًا ، وَيَعْقُوبُ لَمَّا رَأَى نَكْتَلْ مُوَافِقًا لِوَزْنِ نَفْعَلْ تَسَرَّعَ إِلَى مَا أَجَابَ بِهِ مَعَ ذُعْرِ الْمِحْنَةِ وَإِزْعَاجِ الْبَدِيهَةِ وَهَيْبَةِ الْحَاثِّ لِسَائِلِهِ عَلَى شَرَاسَةِ خَلْقِهِ وَإِشْفَاقِهِ مِنْ تَشَعُّثِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ ، وَقَطْعِ مَادَّةِ الْمَعِيشَةِ مِنْ جِهَتِهِ . وَوَزْنُ أَلْفَاظِ الْكَلِمِ تَأْتِي عَلَى جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ أَغْرَاضِ الْوَازِنِينَ ، وَعَلَى قَدْرِ تَرْتِيبِ الصِّنَاعَةِ مِنَ الْمُقَابِلِينَ ، وَالنَّحْوِيُّونَ يَزِنُونَ الْحُرُوفَ عَلَى أَخْصَرِ مِنْ وَزْنِ الْعَرُوضِيِّينَ ، لِأَنَّهُمْ يُقَابِلُونَ فِي الزِّنَةِ الْحَرَكَةَ بِجِنْسِهَا مِنَ التَّحْرِيكِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ السُّكُونِ وَنَوْعُهَا إِنْ ضَمًّا وَإِنْ فَتْحًا وَإِنْ كَسْرًا ، عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْحَاءِ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَالْعِنَايَةُ بِذَاتِ الْحَرْفِ دُونَ الْإِعْرَابِ وَالتَّنْوِينِ وَمَا يُزَادُ وَيُحْذَفُ خَطًّا وَلَفْظًا ، وَالْعَرُوضِيُّونَ يُرَاعُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَسُوقُونَهُ وَيَبْنُونَ وَزْنَهُمْ عَلَى اللَّفْظِ ، وَيُجْرُونَ وَزْنَهُمْ عَلَى مُقَابَلَةِ الْحَرَكَةِ جِنْسًا لَا نَوْعًا ، فَيُسَوُّونَ فِيهَا بَيْنَ الضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ ، وَلَمَّا تَسَاوَى نَكْتَالُ وَاكْتَالَ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ وَسَبِيلُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ أَنْ تَجْرِيَ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى حُرُوفِ الْمَاضِي ، فَلِأَنَّ هَمْزَةَ اكْتَالَ زَائِدَةٌ لِلْوَصْلِ تَذْهَبُ إِذَا تَحَرَّكَتْ فَاءُ الْفِعْلِ وَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ لِلْكَلِمَةِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا زَادَ مِنَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الَّذِي هُوَ فَاءٌ وَعَيْنٌ وَلَامٌ فَأَتَى رُبَاعِيًّا أَوْ خُمَاسِيًّا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ كَقَوْلِكَ جَعْفَرٌ وَفَرَزْدَقٌ ، فَحَكَمَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْحَرْفَ وَالْحَرْفَيْنِ مِنْهُ مِمَّا أَتَى بَعْدَ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ مَجْهُولٌ ، وَقَضَى بِأَنَّ الطَّرَفَ أَوْلَى مِنْهُ بِبَابِ الزِّيَادَةِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى مِثْلِ هَذَا فِي الْعَيْنِ ، وَمَيَّزُوا بَيْنَ تَجَانُسِ الْحَرْفَيْنِ فِي آخِرِهِ ، وَذَلِكَ كَفَعْلَلَ الَّذِي هُوَ وَزْنُ قَرْدَدَ ، وَبَيْنَ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ نَحْوَ جَعْفَرٍ ، وَهَذَا بَابٌ لَا يَحْتَمِلُ كِتَابُنَا هَذَا الِاتِّسَاعَ فِيهِ ، وَلَهُ مَوْضِعٌ هُوَ أَوْلَى بِهِ . وَمِمَّا اتَّفَقَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ فِي صِنَاعَةِ النَّحْوِ ذَا بِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ نَزِرَةٍ ، وَقَدْ صَنَّفَ مَعَ هَذَا فِي النَّحْوِ كِتَابًا مُخْتَصَرًا لَمْ يَعُدْ فِيهِ الْقَدْرُ الَّذِي تَنَالُهُ يَدُهُ ، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَلَمًا فِي اللُّغَةِ ، وَقُدْوَةً سَابِقًا مُبْرِزًا فِي اخْتِلَافِ أَهْلِهَا مِنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ ، وَلَهُ فِيهَا كُتُبٌ مُؤَلَّفَةٌ حَسَنَةٌ ، وَأَنْوَاعٌ مُصَنَّفَةٌ مُفِيدَةٌ ، وَأَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَصَدَ الْجَمِيلَ مِنْ مُقَارَبَتِهِ وَتَسْهِيلِ مُنَاظَرَتِهِ فَإِنَّمَا أَتَى بِمَا هُوَ مُتَيَسِّرٌ لَهُ دُونَهُ ، وَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى بِمَا قَصَدَهُ تَنَكُّبَ مَا فِيهِ اعْتِلَالٌ وَقَلْبٌ ، وَالْعُدُولَ بِهِ عَنِ التَّصْرِيفِ الْكَادِّ لِلْقَلْبِ الشَّاقِّ عَلَى اللُّبِّ ، وَقَدْ رَدَّ الْمَازِنِيُّ عَلَى سِيبَوَيْهِ مَسَائِلَ فِي بَعْضِهَا حُجَجٌ وَفِي بَعْضِهَا شُبَهٌ ، وَسَأَلَ الْأَخْفَشَ عَنْ مَسَائِلَ نَسَبَهُ إِلَى التَّقْصِيرِ وَالِانْقِطَاعِ فِي بَعْضِهَا ، وَحُكِيَ أَنَّ الْأَخْفَشَ رَجَعَ عِنْدَ أَوَّلِ تَوْقِيفٍ مِنْهُ عَلَيْهَا فِي الْبَعْضِ مِنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا طَرَفًا فِي مَوْضِعِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية