الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
خَبَرُ الْأَصْدِقَاءِ الثَّلَاثَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَنْفِذْ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ إِلَى خُرَاسَانَ فَفَعَلَ، فَشَخَصَ فِي الْمُعَسْكَرِ ثَلَاثَةٌ كَانُوا مُتَؤَاخِينَ مُتَصَاحِبِينَ عَلَى اللَّذَّاتِ وَمُعَاقَرَةِ الشَّرَابِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ وَأُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ وَبِشْرُ بْنُ غَالِبٍ، وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا انْفَرَدُوا دُونَ النَّاسِ فَخَلَوْا بِشَرَابِهِمْ وَلَذَّاتِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دَخَلُوا سِجِسْتَانَ وَنَزَلُوا رُزْدَاقَ رَاوَنْدَ وَخَزَازَى. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ وَهُوَ رُزْدَاقٌ، وَرُسْتَاقٌ خَطَأٌ - فَمَاتَ أَوْسٌ - قَالَ الْقَاضِي: أَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَعُرِّبَ فَقِيلَ: رُزْدَاقٌ وَرُسْتَاقٌ، وَهُوَ أَكْثَرُ فِي كَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَ وَمَنْ تَأَخَّرَ فِيمَا وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ عَنْهُمْ بِهِ فَعَظُمَ حُزْنُهُمَا عَلَيْهِ وَجَزَعُهُمَا لَهُ، وَقَالَ أُنَيْسٌ يَرْثِيهِ: تَخَطَّى إِلَيَّ الْمَوْتُ مِنْ بَيْنِ مَنْ أَرَى فَأَتْلَفَ نُدْمَانِي لَقَدْ جَارَ وَاعْتَدَى أَثْلَبَنِي فَتًى كَانَ النَّدِيمَ حَيَاتَهُ لَنَا دُونَ خَلْقِ اللَّهِ كَانَ أَبَا الرِّضَا حَلِيمًا أَدِيبًا مَاجِدًا ذَا سَمَاحَةٍ بَعِيدًا عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالشَّرِّ وَالْخَنَا أَمِينًا جَوَادًا غَيْرَ كَزٍّ مُخَالِفٍ وَلَا جَاعِلًا رِبًا مِنَ الْمَالِ مَا حَوَى يَخُونُهُ الدَّهْرُ الْخَؤُونُ بِرِيبَةٍ فَأَصْبَحَ رَهْنًا لِلصَّفَائِحِ وَالصَّفَا أُنَادِيهِ يَا أَوْسُ بْنَ حَارِثَةَ الَّذِي بِهِ كُنْتُ أَنْفِي الْهَمَّ عَنِّي وَالْأَذَى أَجِبْنِي لَقَدْ أَنْفَذْتَ بِالْوَجْدِ عَبْرَتِي عَلَيْكَ أَمَا تَرْثِي لِبَاكٍ إِذَا بَكَى وَقَدْ كُنْتَ ذَا رَأْيٍ وَسَمْعٍ وَفِطْنَةٍ سَرِيعًا إِلَى الدَّاعِي مُجِيبًا النِّدَا فَلَيْسَ لَنَا إِذَا مَاتَ أَوْسٌ مُنَادِمٌ سِوَى قَبْرِهِ حَتَّى يَحِلَّ بِنَا الرَّدَى وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَرَدْنَا خُزَازَى إِذْ وَرَدْنَا ثَلَاثَةٌ كَأَنَّا جَمِيعًا أَيُّهَا النَّاسُ وَاحِدُ أُنَيْسٌ وَأَوْسٌ الْحَارِثِيُّ بْنُ خَالِدٍ وَنَصْرٌ أَخُوهُمْ وَالْمَنَايَا رَوَاصِدُ فَكُنَّا وَلَا نَبْغِي مِنَ النَّاسِ رَابِعًا كَأَنَّا أَثَافٍ لَا نَرِيمُ رَوَاكِدُ فَلَمَّا رَمَانَا النَّاسُ بِالْأَعْيُنِ الَّتِي مَتَى يَرْمُقُوا شَيْئًا بِهَا فَهْوَ بَائِدُ رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنَّا بِأَسْهُمٍ وَنُبْلُ الْمَنَايَا لِلرِّجَالِ قَوَاصِدُ فَأَرْدَيْنَ أَوْسًا لَهْفَ نَفْسِي لِفَقْدِهِ سَقَى قَبْرَهُ صَوْبُ الْغَمَامِ الرَّوَاعِدُ فَمَاتَ أُنَيْسٌ فَعَظُمَ حُزْنُ نَصْرٍ عَلَيْهِ، وَاتَّصَلَ بُكَاؤُهُ وَجَزَعُهُ لَهُ، وَقَالَ يَرْثِيهِ: أُنَيْسٌ فَدَتْهُ النَّفْسُ مَيْتًا فَقَدْتُهُ فَنَفْسِي لَهُ حَرَّى عَلَيْهِ تَقَطَّعُ أُنَيْسٌ فَدَتْكَ النَّفْسُ أَصْبَحْتُ مُفْرَدًا وَحِيدًا فَمَا أَدْرِي أَخِي كَيْفَ أَصْنَعُ أُنَيْسٌ فَدَتْكَ النَّفْسُ خَلَّفْتَ حَسْرَةً عَلَيَّ فَعَيْنِي الدَّهْرَ مَا عِشْتُ تَدْمَعُ أُنَيْسٌ فَدَتْكُ النَّفْسُ مَاذَا رُزِئْتُهُ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أَقْضِي وَشِيكًا فَأُسْرِعُ فَكَيْفَ بَقَائِي بَعْدَ أَوْسٍ أَخِي الْفِدَى وَبَعْدَ أُنَيْسٍ لَسْتُ فِي الْعَيْشِ أَطْمَعُ ثُمَّ جَعَلَ يَجْلِسُ بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا فَيَشْرَبُ قَدَحًا وَيَصُبُّ فِي كُلِّ قَبْرٍ قَدَحًا، وَيَقُولُ: خَلِيلِيُّ هُبَّا مَا قَدْ رَقَدْتُمَا أَجِدُكُمَا لَا تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا أَلَمْ تَعْلَمَا مَا إِنَّ رَاوَنْدَ كُلَّهَا وَلَا بِخَزَازَى لِي صَدِيقٌ سِوَاكُمَا أَصُبُّ عَلَى قَبْرَيْكُمَا مِنْ مُدَامَةٍ فَإِلَّا تَذُوقَا أَرْوِ مِنْهَا ثَرَاكُمَا مُقِيمٌ عَلَى قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ بَارِحًا طُوَالَ اللَّيَالِي أَوْ يُجِيبُ صَدَاكُمَا أَجِدُكُمَا مَا تَرْثِيَانِ لِمُوجَعٍ حَزِينٍ عَلَى قَبْرَيْكُمَا إِذْ بَكَاكُمَا جَرَى النَّوْمُ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ مِنْكُمَا كَأَنَّكُمَا كَأْسَيْ عُقَارٍ سَقَاكُمَا أَلَمْ تَرْحَمَانِي أَنَّنِي صِرْتُ مُفْرَدًا وَأَنِّيَ مُشْتَاقٌ إِلَى أَنْ أَرَاكُمَا أُنَادِيكُمَا بِالْجَهْرِ مِنِّي صَبَابَةً كَأَنَّكُمَا لَمْ تَسْمَعَا مَنْ دَعَاكُمَا فَإِنْ كُنْتُمَا لَا تَسْمَعَانِي فَمَا الَّذِي خَلِيلِيَّ عَنْ سَمْعِ الدُّعَاءِ عَدَاكُمَا سَأَبْكِيكُمَا حَتَّى الْمَمَاتِ فَمَا الَّذِي يَرُدَّ عَلَى ذِي عَوْلَةٍ إِنْ بَكَاكُمَا فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ وَيُرَدِّدُ هَذَا الشِّعْرَ حَتَّى مَاتَ، فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهِمَا، فَقُبُورُهُمْ هُنَاكَ تُسَمَّى قُبُورُ الْإِخْوَةِ. تَعْلِيقٌ لُغَوِيٌّ قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُ أُنَيْسٍ فِي شِعْرِهِ: كَأَنَّا أَثَافٍ لَا تَرِيمُ رَوَاكِدُ، الْأَثَافِيُّ أَثَافِيُّ الْقِدْرِ، وَهِيَ مَا تُنْصَبُ عَلَيْهِ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْوَاحِدَةُ أُثْفِيَّةٌ، وَمِثْلُهُ أُمْنِيَّةٌ وَأَمَانِيٌّ وَأُوقِيَّةٌ وَأَوَاقٍ، وَقَدْ يُخَفِّفُ هَذَا فَيُقَالُ أَمَانِي وَأَوَاقِي، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ قَرَأَ "لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي" بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ: هُوَ فِي تَخْفِيفِهِ وَتَشْدِيدِهِ بِمَنْزِلَةِ قُرَاقِرَ وَقَرَاقِيرَ فِي جَمْعِ قُرْقُورٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي دُعَائِهَا عَلَى الرَّجُلِ: رَمَاهُ اللَّهُ بِثَالِثَةِ الْأَثَافِيِّ يُرِيدُونَ الْجَبَلَ، لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لِلْقِدْرِ أُثْفِيَّتَيْنِ وَيُسْنِدُونَهُمَا إِلَى الْجَبَلِ فَيُغْنِيهِمْ عَنْ أُثْفِيَّةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يُخَفِّفُونَ الْأَثَافِيَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَكْثَرَ مِنْ تَخْفِيفِهِمْ غَيْرَهُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا وَنَحْوَهُ: الْأَخْفَشُ وَقَوْلُهُ: لَا تَرِيمُ، أَيْ لَا تَبْرَحُ، يُقَالُ: لَا أَرِيمُ وَمَا أَرِيمُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي النَّفْيِ لَا يُقَالُ: مَا رُمْتُ كَمَا يُقَالُ مَا زِلْتُ، وَلَا يُقَالُ زِلْتُ فِي الْأَبْيَاتِ، قَالَ الشَّاعِرُ: لِمَنْ طَلَلٌ بِرَامَةَ مَا يَرِيمُ عَفَا وَخَلَا لَهُ حُقُبٌ قَدِيمُ وَقَالَ الْأَعْشَى: أَبَانَا فَلَا رِمْتَ مِنْ عِنْدِنَا فَإِنَّا بِخَيْرٍ إِذَا لَمْ تَرِمْ وَقَالَ أَيْضًا: أَفِي الطَّوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَّدَى وَكَمْ مِنْ رَدٍ أَهْلَهُ لَمْ يَرِمْ وَقَوْلُ نَصْرِ بْنِ غَالِبٍ فِي أُنَيْسٍ أَيْضًا: لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أَقْضِي وَشِيكًا أَسْكَنَ الْيَاءَ فِي أَقْضِي وَحُكْمُهَا أَنْ تُنْصَبَ بِأَنْ لِيَسْلَمَ بَيْتُهُ مِنَ الِانْكِسَارِ، وَقَدْ يُجْعَلُ هَذَا عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقْرَأُ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ عَلَى الرَّفْعِ بَعْدَ أَنْ وَلَا يَنْصِبُهُ وَقَدْ جَاءَتْ فِي الشِّعْرِ أَبْيَاتٌ عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيحِ غَيْرِ الْمُعْتَلِّ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَإِنِّي لَأَجْتَازُ الْقُرَى طَاوِيَ الْحَشَا مُحَاذَرَةً مِنْ أَنْ يُقَالُ لَئِيمُ وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَالْأَشْهُرُ عَنْهُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ، وَعَلَى تَوْجِيهِ الْفِعْلِ إِلَيْهَا وَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ تَعَدِّيهَا "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ" لِوُجُوبِ الْحُجَّةِ بِنَقْلِهَا لِصِحَّتِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَمَقَايِيسِهَا، وَمِمَّا أُسْكِنَتْ يَاؤُهُ مِنْ مُعْتَلِّ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْأَعْشَى: فَتًى لَوْ يُنَادِي الشَّمْسَ أَلْقَتْ قِنَاعَهَا أَوِ الْقَمَرَ السَّارِي لَأَلْقَى الْمَقَالِدَا وَجَاءَ مِثْلُهُ فِي الْوَاوِ، وَذَلِكَ قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: فَإِنَّ حَرَامًا أَنْ أَسُبَّ مُقَاعِسًا بِآبَائِي الشُّمِّ الْكِرَامِ الْخَضَارِمِ وَلَكِنْ نَصَفًا لَوْ سَبَبْتُ وَسَبَّنِي بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ مَنَافٍ وَهَاشِمِ أُولَئِكَ أَكْفَائِي فَجِئْتِنِي بِمِثْلِهِمْ وَأَعْبُدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِمِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَشَوَاهِدُهُ وَذِكْرُ عِلَلِهِ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ وَالْإِعْرَابِ وَاسِعٌ جِدًّا، وَلَهُ مَوْضِعٌ هُوَ أَوْلَى بِهِ، وَقَدْ أُضِيفَتْ جُمْلَةُ هَذَا الشِّعْرِ وَالْخَبَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ وَأَنَّهُ أَنْشَدَ هَذَا فِي نَدِيمَيْهِ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ فِي أَخْبَارِ قُسٍّ وَأَقَاصِيصِهِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية