الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مِنْ مَخَارِجِ أَبِي يُوسُفَ الْفَقْهِيَّةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ وَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَاضِي، وَكُنَّا فِي حَدِيثٍ طَرِيفٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِهِ قَالَ: قَالَ لِي يَعْقُوبُ: بَيْنَا أَنَا الْبَارِحَةَ قَدْ أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي، فَإِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ الْبَابَ دَقًّا شَدِيدًا، فَأَخَذْتُ عَلَيَّ إِزَارِي وَخَرَجْتُ، فَإِذَا هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قُلْتُ: يَا أَبَا حَاتِمٍ! لِي حُرْمَةٌ وَهَذَا وَقْتٌ كَمَا تَرَى، وَلَمْ آمَنْ أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ دَعَانِي لِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَدْفَعَ بِذَلِكَ إِلَى غَدٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ رَأْيٌ، فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، قُلْتُ: فَمَا كَيْفَ كَانَ السَّبَبُ؟ قَالَ: خَرَجَ إِلَيَّ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِكَ، قُلْتُ: تَأْذَنُ لِي أَنْ أَصُبَّ عَلَيَّ مَاءً وَأَتَحَنَّطُ، فَإِنْ كَانَ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ كُنْتُ قَدْ أَجُدْتُ وَأَحْكَمْتُ أَمْرِي، وَإِنْ رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَافِيَةَ فَلَنْ يَضُرَّ، فَأَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَلَبِسْتُ ثِيَابًا جُدُدًا وَتَطَيَّبْتُ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ، فَإِذَا مَسْرُورٌ وَاقِفٌ فَقَالَ لَهُ هَرْثَمَةُ: قَدْ جِئْتُ بِهِ، فَقُلْتُ لِمَسْرُورٍ: يَا أَبَا هَاشِمٍ! خِدْمَتِي وَحُرْمَتِي وَمَيْلِي، وَهَذَا وَقْتٌ ضَيِّقٌ، لِمَ طَلَبَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَمَنْ عِنْدَهُ؟ قَالَ: عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، قُلْتُ: وَمَنْ؟ قَالَ: مَا عِنْدَهُ ثَالِثٌ، قَالَ: مُرَّ، فَإِذَا صِرْتَ فِي الصَّحْنِ فَأْتِهُ فِي الرُّوَاقِ وَهُوَ ذَاكَ جَالِسٌ، فَحَرِّكْ رِجْلَكَ بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ، فَقُلْ لَهُ: أَنَا، فَجِئْتُ فَفَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: يَعْقُوبُ، قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَعَنْ يَمِينِهِ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، وَقَالَ: أَظُنُّنَا رَوَّعْنَاكَ؟ قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ وَكَذَاكَ مَنْ خَلْفِي، قَالَ: اجْلِسْ فَجَلَسْتُ حَتَّى سَكَنَ رَوْعِي، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ تَدْرِي لَمْ دَعْوَتُكَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: دَعْوَتُكَ لِأُشْهِدَكَ عَلَى هَذَا، إِنَّ عِنْدَهُ جَارِيَةً سَأَلْتُهُ أَنْ يَهَبَهَا لِي فَامْتَنَعَ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا فَأَبَى، وَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَأَقْتُلَنَّهُ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَى عِيسَى، فَقُلْتُ: وَمَا بَلَّغَ اللَّهُ بِجَارِيَةٍ تَمْنَعُهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَتُنْزِلُ نَفْسَكَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: عَجِلْتَ عَلَيَّ فِي الْقَوْلِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ مَا عِنْدِي؟ قُلْتُ: وَمَا فِي هَذَا الْجَوَابِ؟ قَالَ: إِنَّ عَلَيَّ يَمِينًا بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَصَدَقَةً مَا أَمْلِكُ أَلَّا أَبِيعَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَلَا أَهَبَهَا، فَالْتَفَتَ الرَّشِيدُ فَقَالَ: هَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ مَخْرَجٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَهَبُ لَكَ نِصْفَهَا وَيَبِيعُكَ نِصْفَهَا، فَيَكُونُ لَمْ يَهَبْ وَلَمْ يَبِعْ، قَالَ عِيسَى: وَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ نِصْفَهَا وَبِعْتُهُ النِّصْفَ الْبَاقِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: الْجَارِيَةَ، فَأُتِيَ بِالْجَارِيَةِ وَبِالْمَالِ، فَقَالَ: خُذْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: يَا يَعْقُوبُ؟ بَقِيَتْ وَاحِدَةُ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: هِيَ مَمْلُوكَةٌ وَلَا بُدَّ أَنْ تُسْتَبْرَأَ، وَوَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَبِتْ مَعَهَا لَيْلَتِي إِنِّي لَأَظُنُّ نَفْسِي سَتَخْرُجُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَعْتِقُهَا وَتَتَزَوَّجُهَا فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُسْتَبْرَأُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ عَتَقْتُهَا فَمَنْ يُزَوِّجُنِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا، قَالَ: فَافْعَلْ، فَدَعَا بِمَسْرُورٍ الْخَادِمِ وَحُسَيْنٍ فَخَطَبْتُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَزَوَّجْتُهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَدَعَا بِالْمَالِ وَدَفَعَهُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا يَعْقُوبُ؟ انْصَرِفْ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى مَسْرُورٍ فَقَالَ: يَا مَسْرُورُ؟ قَالَ لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: احْمِلْ إِلَى يَعْقُوبَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ تَخْتًا ثِيَابًا، فَحُمِلَ ذَلِكَ مَعِي. قَالَ: فَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدٍ: فَالْتَفَتَ إِلَيَّ يَعْقُوبُ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَ بَأْسًا فِيمَا فَعَلْتُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَخُذْ مِنْهَا حَقَّكَ، قَالَ: وَمَا حَقِّي؟ قَالَ: الْعُشْرُ. فَشَكَرْتُهُ وَدَعَوْتُ لَهُ، ذَهَبْتُ لِأَقْوَمَ فَإِذَا بِعَجُوزٍ قَدْ دَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا أَبَا يُوسُفَ؟ ابْنَتُكَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ لَكَ وَاللَّهِ مَا وَصَلَ إِلَيَّ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَى الْمَهْرِ الَّذِي قَدْ عَرَفْتَهُ، وَقَدْ حَمَلْتُ إِلَيْكَ النِّصْفَ مِنْهُ وَخَلَّفْتُ الْبَاقِيَ لِمَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَقَالَ: رُدِّيهِ فَوَاللَّهِ لَا قَبِلْتُهَا، أَخْرَجْتُهَا مِنَ الرِّقِّ وَزَوَّجْتُهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَرْضَى لِي بِهَذَا، فَلَمْ نَزَلْ نَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنَا وَعَمَّتِي حَتَّى قِبِلَهَا وَأَمَرَ لِي بِأَلْفِ دِينَارٍ. إِسْقَاطُ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ وَتَوْلِيَةُ عَقْدِ نِكَاحِهَا قَالَ الْقَاضِي: إِسْقَاطُ أَبِي يُوسُفَ الِاسْتِبْرَاءَ فِي هَذَهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ مَنْ تَقَدَّمَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمَّا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فَعَلَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هَا هُنَا بَاقٍ بِحَالِهِ، وَأَمَّا تَوَلِّيهِ عَقْدَ نِكَاحٍ هَذِهِ الْمُعَتَّقَةِ فَإِنَّ مَذْهَبَأَبِي يُوسُفَ وَمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمُتَأَخَّرِيهِمْ أَنَّ مَوْلَى الْأَمَةِ الْمُعْتِقَ لَهَا أَوْلَى بِعَقْدِ النِّكَاحِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَمَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَالْعِرَاقِيِّينَ - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهَا النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ وَلَا يَعْقِدُهُ لِنَفْسِهِ - وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا تَوَلَّى الْعَقْدَ لَهُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ، وَرَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ شَيْخَنَا رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَفْتَى بِهَذَا فِي مَسَائِلِهِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْحَقِّ عِنْدِي وَأَشْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَبَيَانُ هَذَا الْبَابِ وَشَرْحُهُ مُسْتَقْصًى فِيمَا رَسَمْنَاهُ مِنْ كُتُبِنَا فِي الْفِقْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية