الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  جزء صفحة
                  قُلْتُ : وَهَذَا بَيِّنٌ ، فَإِنَّ الْمَلَاحِدَةَ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَالْغُلَاةِ النُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِ النُّصَيْرِيَّةِ إِنَّمَا يُظْهِرُونَ التَّشَيُّعَ ، وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّشَيُّعَ دِهْلِيزُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ . وَالصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الْإِمَامُ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ ، وَهَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ ، فَالصِّدِّيقُ وَحِزْبُهُ هُمْ أَعْدَاؤُهُ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الصُّحْبَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 40 ] صُحْبَةُ مُوَالَاةٍ لِلْمَصْحُوبِ م : مُوَالَاةِ الْمَصْحُوبِ وَمُتَابَعَةٍ لَهُ س ، ب : وَمُبَايَعَةٍ لَهُ . لَا صُحْبَةُ نِفَاقٍ ن ، م : إِنْفَاقٍ كَصُحْبَةِ الْمُسَافِرِ لِلْمُسَافِرِ ، وَهِيَ مِنَ الصُّحْبَةِ الَّتِي يَقْصِدُهَا الصَّاحِبُ لِمَحَبَّةِ الْمَصْحُوبِ كَمَا هُوَ ن ، م ، س : كَمَا هَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْخَلَائِقِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِمَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْكَثِيرَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ فِي الْغَايَةِ مِنْ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَالَاتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ أَعْظَمُ مِمَّا يَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مُسْلِمًا ، وَأَنَّهُ كَانَ ابْنُ عَمِّهِ . وَقَوْلُهُ : " إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مُتَابَعَةٌ س ، ب : مُبَايَعَةٌ ، فَإِنَّ هَذِهِ تَحْصُلُ لِلْكَافِرِ إِذَا صَحِبَ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ اللَّهُ مَعَهُ ، بَلْ إِنَّمَا كَانَتِ الْمَعِيَّةُ لِلْمُوَافَقَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمُوَالَاةِ لَهُ وَالْمُتَابَعَةِ . وَلِهَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِلرَّسُولِ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ بِحَسَبِ هَذَا الِاتِّبَاعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 64 ] أَيْ : حَسْبُكَ وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ ، فَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ مِنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ حَسْبُهُ ب : فَإِنَّهُ حَسْبُهُ . ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنُ اللَّهِ مَعَهُ . وَالْكِفَايَةُ الْمُطْلَقَةُ مَعَ الِاتِّبَاعِ الْمُطْلَقِ ، وَالنَّاقِصَةُ مَعَ النَّاقِصِ ن : وَالنَّاقِضُ مَعَ النَّاقِصِ ، س : وَالنَّاقِصُ مَعَ النَّاقِصِ . وَالْكَلِمَتَانِ غَيْرُ مَنْقُوطَتَيْنِ فِي ( م ) . ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ مَنْ يُعَادِيهِ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّهُ حَسْبُهُ ، وَهُوَ مَعَهُ وَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) ، فَإِنَّ هَذَا قَلْبُهُ مُوَافِقٌ لِلرَّسُولِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِبَهُ بِبَدَنِهِ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْقَلْبُ . كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ " قَالُوا : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : " وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ " الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي : الْبُخَارِيِّ 4 \ 26 ( كِتَابُ الْجِهَادِ ، بَابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ ) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3 \ 17 - 18 ( كِتَابُ الْجِهَادِ ، بَابٌ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُعُودِ مِنَ الْعُذْرِ ) سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2 \ 923 ( كِتَابُ الْجِهَادِ ، بَابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْجِهَادِ ) ، الْمُسْنَدِ ( ط . الْحَلَبِيِّ ) 3 \ 103 ، 160 ، 300 ، 341 . وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي : مُسْلِمٍ 3 \ 518 ( كِتَابُ الْإِمَارَةِ ، بَابُ ثَوَابِ مَنْ حَبَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ أَوْ عُذْرٌ آخَرُ ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ( فِي الْمَوْضِعِ السَّابِقِ ) . . فَهَؤُلَاءِ بِقُلُوبِهِمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الْغُزَاةِ ، فَلَهُمْ مَعْنَى صُحْبَتِهِ فِي الْغَزَاةِ ، فَاللَّهُ مَعَهُمْ بِحَسَبِ تِلْكَ الصُّحْبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ . وَلَوِ انْفَرَدَ الرَّجُلُ [ فِي ] فِي : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) ، ( س ) . بَعْضِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ بِحَقٍّ جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَمْ تَنْصُرْهُ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَهُ ، وَلَهُ نَصِيبٌ ن ، م : وَلَهُ عَبْرُهُ ( غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ ) وَفِي ( س ) بَيَاضٌ مَكَانَ كَلِمَةِ ( عَبْرُهُ ) . مِنْ قَوْلِهِ : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 40 ] ، فَإِنَّ نَصْرَ الرَّسُولِ هُوَ نَصْرُ دِينِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ حَيْثُ كَانَ ، وَمَتَى كَانَ ، وَمَنْ وَافَقَهُ فَهُوَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى ، فَإِذَا قَامَ بِهِ ذَلِكَ الصَّاحِبُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، وَمَعَ ذَلِكَ الْقَائِمِ بِهِ . وَهَذَا الْمُتَّبِعُ لَهُ حَسْبُهُ اللَّهُ ، وَهُوَ حَسْبُ الرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 64 ] .

                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                  الخدمات العلمية