الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
( ( ثُمَّ ) ) أُجْزِمُ بَعْدَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَأَخْذِ الصُّحُفِ وَالْمُرُورِ بِثُبُوتِ ( ( حَوْضِ ) ) النَّبِيِّ ( ( الْمُصْطَفَى ) ) نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَقَالَ تَعَالَى ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ : وَرَدَ ذِكْرُ الْحَوْضِ مِنْ رِوَايَةِ بِضْعَةٍ وَخَمْسِينَ صَحَابِيًّا مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ الرَّاشِدُونَ ، وَحُفَّاظُ الصَّحَابَةِ الْمُكْثِرُونَ وَغَيْرُهُمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ عَنْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَهَبَ صَاحِبُ الْقُوتِ إِلَى أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ . قَالَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَبْلَهُ ، وَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ : ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْحَوْضَ يُورَدُ بَعْدَ الصِّرَاطِ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْحَوْضِ عَلَى الصِّرَاطِ فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ عِطَاشًا فَنَاسَبَ تَقْدِيمَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ فِيهِ مَاءٌ ؟ قَالَ : إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِيهِ لَمَاءً ، وَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَيَرِدُونَ إِلَى حِيَاضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ " . وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ ، وَأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ يَقَعُ بَعْدَ الْحِسَابِ ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ . وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي عَقِيدَتِهِ : يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَبَعْدَ جَوَازِ الصِّرَاطِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْحَوْضَ بِجَانِبِ الْجَنَّةِ لِيَنْصَبَّ فِيهِ الْمَاءُ مِنَ النَّهْرِ الَّذِي دَاخِلُهَا ، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ الصِّرَاطِ لَحَالَتِ النَّارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي يُصَبُّ مِنَ الْكَوْثَرِ فِيهِ ، قَالَ : وَأَمَّا مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةً يُدْفَعُونَ عَنِ الْحَوْضِ بَعْدَ أَنْ يَرَوْهُ وَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُمْ يَقْرُبُونَ مِنَ الْحَوْضِ بِحَيْثُ يَرَوْنَهُ وَيَرَوْنَ الْجَنَّةَ فَيُدْفَعُونَ فِي النَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُصُوا مِنْ بَقِيَّةِ الصِّرَاطِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : إِنَّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْضَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ ، وَالثَّانِي فِي الْجَنَّةِ ، وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى كَوْثَرًا ، وَالْكَوْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ . قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ : وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ ، فَإِنْ قِيلَ : إِذَا خَلَصُوا مِنَ الْمَوْقِفِ دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، فَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى الشُّرْبِ مِنْهُ ، فَالْجَوَابُ : بَلْ يَحْتَاجُونَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَحْبُوسُونَ هُنَاكَ لِأَجْلِ الْمَظَالِمِ ، فَكَانَ الشُّرْبُ فِي مَوْقِفِ الْقِصَاصِ ، وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَقَعَ الشُّرْبُ مِنَ الْحَوْضِ قَبْلَ الصِّرَاطِ لِقَوْمٍ وَتَأْخِيرُهُ بَعْدَهُ لِآخَرِينَ بِحَسَبِ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ حَتَّى يُهَذَّبُوا مِنْهَا عَلَى الصِّرَاطِ ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْوَى . انْتَهَى . قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ : وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ جَامِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ وَهُوَ دَقِيقٌ . انْتَهَى . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي التَّذْكِرَةِ ، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَوْ يَذْهَبُ وَهْمُكَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَوْضَ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ وُجُودُهُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ عَلَى مَسَافَاتِ هَذِهِ الْأَقْطَارِ ، وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَكُونُ بَدَلًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْهَا دَمٌ ، وَلَمْ يُظْلَمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ قَطُّ . أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا " . وَفِي رِوَايَةٍ " حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ " ، وَهِيَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَاللَّفْظُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْأَخْنَسِ : وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ إِلَّا كَالذُّبَابِ الْأَصْهَبِ فِي الذُّبَابِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ، وَزَادَنِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ " قَالَ : فَمَا سَعَةُ حَوْضِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " كَمَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى عُمَانَ وَأَوْسَعُ وَأَوْسَعُ " يُشِيرُ بِيَدِهِ قَالَ : فِيهِ مُثْعُبَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا مُثَلَّثَةٌ ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ، هُوَ مَسِيلُ الْمَاءِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . قَالَ : فَمَاءُ حَوْضِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : " أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَلَمْ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ أَبَدًا " ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ : ( ( فَيَا هَنَا ) ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْهَنِيءُ وَالْمَهْنَأُ مَا أَتَاكَ بِلَا مَشَقَّةٍ ، وَقَدْ هَنِئَ ، وَهَنُؤَ هَنَاءَةً ، وَهَنَأَنِي ، وَلِي الطَّعَامُ يَهْنَأُ وَيَهْنِئُ ، وَيَهْنُؤُ هِنْئًا وَهَنْئًا ، وَهَنَاءَةً ، وَهَنَأَتْنِيهِ الْعَافِيَةُ ، وَهُوَ هَنِئٌ : سَائِغٌ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ أَيُّهَا الشَّرَابُ السَّائِغُ الْهَنِيءُ الْآتِي بِلَا مَشَقَّةٍ أَقْبِلْ ( ( لِمَنْ ) ) أَيْ : عَلَى شَخْصٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ( ( بِهِ ) ) أَيْ بِسَبَبِ الشُّرْبِ مِنْهُ ( ( نَالَ ) ) أَيْ أُعْطِيَ ، يُقَالُ : نَالَهُ يَنُولُهُ إِذَا أَعْطَاهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : النَّوَالُ وَالنَّالُ وَالنَّائِلُ الْعَطَاءُ ، وَنُلْتُهُ ، وَنُلْتُ لَهُ وَبِهِ أَنُولُهُ بِهِ ، وَأَنَلْتُهُ إِيَّاهُ ، وَنَوَّلْتُهُ ، وَنَوَّلْتُ عَلَيْهِ وَلَهُ أَعْطَيْتُهُ . فِيهِ مُتَعَلَّقٌ بِنَالَ ، وَ ( ( الشِّفَا ) ) مِنْ ظَمَأِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَالشِّفَاءُ هُوَ الدَّوَاءُ ، وَالْجَمْعُ أَشْفِيَةٌ ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَشَافِي ، يُقَالُ : شَفَاهُ بَرَأَهُ ، وَطَلَبَ لَهُ الشِّفَاءَ كَأَشْفَاهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، فَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ : مَا الْحَوْضُ ؟ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ شَرَابَهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ ، وَآنِيَتَهُ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ النُّجُومِ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ إِنْسَانٌ فَيَظْمَأُ أَبَدًا ، وَلَا يُصْرَفُ عَنْهُ إِنْسَانٌ فَيَرْوَى أَبَدًا " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَغَيْرُهُ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ " إِنَّ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْ حَوْضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أُمَّتِي لَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِدَاءِ الظَّمَأِ أَبَدًا . وَرَوَى نَحْوَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ، وَفِيهِ : " مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ لَمْ يَرْوَ أَبَدًا . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا ، وَفِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية