الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
( الْعَلَامَةُ الْعَاشِرَةُ ) خُرُوجُ النَّارِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ : ( ( وَآخِرُ الْآيَاتِ حَشْرُ النَّارِ كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْأَخْبَارِ ) ) ( ( وَآخِرُ الْآيَاتِ ) ) الْعِظَامِ وَالْعَلَامَاتِ الْجِسَامِ ( ( حَشْرُ النَّارِ ) ) لِلنَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْيَمَنِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَرْضُ الشَّامِ ( ( كَمَا أَتَى ) ) ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ ( ( فِي مُحْكَمِ الْأَخْبَارِ ) ) وَفِي صَحِيحِ الْآثَارِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ . فَإِنْ قُلْتَ فِي قَوْلِكَ ( وَآخِرُ الْآيَاتِ ) مُصَادَمَةٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْخَبَرِ الثَّابِتِ الصَّرِيحِ عَنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَخُلَاصَةِ الْعَالَمِ وَأَصْدَقِ مَنْ أَخْبَرَ وَصَفْوَةِ بَنِي آدَمَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ( أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ ) ) الْحَدِيثَ . قُلْتُ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تُرَى قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَخُرُوجَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَ خُسُوفٍ : خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، قَالَ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ . وَفِي لَفْظٍ : " إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ فَعَدَّهَا ، وَفِي آخِرِهَا نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَرْحَلُ بِالنَّاسِ . قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسَبُهُ قَالَ تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِعِدَّةِ طُرُقٍ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ . وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ آخِرِيَّةَ خُرُوجِ النَّارِ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْآيَاتِ وَأَوْلِيَّتَهَا بِأَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْآيَاتِ الَّتِي لَا شَيْءَ بَعْدَهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَصْلًا بَلْ يَقَعُ بِانْتِهَائِهَا النَّفْخُ فِي الصُّورِ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا فَإِنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَشْيَاءُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا . ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ . وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ النَّارَ نَارَانِ إِحْدَاهُمَا تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَالثَّانِيَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ فَتَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ الَّذِي هُوَ أَرْضُ الشَّامِ ، فَلَعَلَّ إِحْدَى النَّارَيْنِ فِي أَوَّلِ الْآيَاتِ وَالْأُخْرَى فِي آخِرِهَا ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا نَارٌ وَاحِدَةٌ فَجَمْعُ السَّخَاوِيِّ مُوَجَّهٌ وَعَلَيْهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ : نَارٌ تَخْرُجُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَتَسُوقُ النَّاسَ ، وَفِي لَفْظٍ تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَرْحَلُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ ، وَحَدِيثُ : نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَبِأَنْ يُقَالَ إِنَّ الشَّامَ الَّذِي هُوَ الْمَحْشَرُ مَغْرِبٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ خُرُوجِهَا قَعْرَ عَدَنَ مِنَ الْيَمَنِ فَإِذَا خَرَجَتِ انْتَشَرَتْ إِلَى الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ أَهْلَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ الَّذِي هُوَ الشَّامُ وَهُوَ الْمَحْشَرُ ، وَلَفْظَةُ أَبْيَنَ بِوَزْنِ أَحْمَرَ اسْمُ الْمَلِكِ الَّذِي بَنَاهَا ، وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ عَدَنُ أَبْيَنَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ أُضِيفَتْ إِلَى أَبْيَنَ بِوَزْنِ أَبْيَضَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ عَدَنَ بِهَا أَيْ أَقَامَ . انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : عَدَنُ أَبْيَنَ مُحَرَّكَةً جَزِيرَةٌ بِالْيَمَنِ أَقَامَ بِهَا ، وَعَدَنُ لَاعَةَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِهِ . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتُقَذِّرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتُقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ . ( قَوْلُهُ ) تُقَذِّرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ هُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ كَمَا أَخْبَرَ لَا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الْبَشَرُ . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أَيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا : سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ بِحَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ . يَعْنِي وَهُوَ الْمُرَادُ بِمُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ عَسَاكِرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَتَقْصِدَنَّكُمْ نَارٌ هِيَ الْيَوْمَ خَامِدَةٌ فِي وَادٍ يُقَالُ لَهُ : بَرْهُوتَ يَغْشَى النَّاسَ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تَأْكُلُ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ ، تَدُورُ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ ، تَطِيرُ طَيْرَ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ ، حَرُّهَا بِاللَّيْلِ أَشَدُّ مِنْ حَرِّهَا بِالنَّهَارِ ، وَلَهَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ . هِيَ مِنْ رُءُوسِ الْخَلَائِقِ أَدْنَى مِنَ الْعَرْشِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسَلِيمَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ؟ قَالَ وَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ يَوْمَئِذٍ ؟ شَرٌّ مِنَ الْحُمُرِ يَتَسَافَدُونَ كَمَا تَتَسَافَدُ الْبَهَائِمُ وَلَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُولُ مَهْ مَهْ . وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ ، وَالْبَارُودِيُّ ، وَابْنُ قَانِعٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ : يُوشِكُ أَنَّ تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ حَبْسِ سَيْلٍ تَسِيرُ سَيْرَ بَطِيئَةِ الْإِبِلِ ، تَسِيرُ بِالنَّهَارِ وَتُقِيمُ بِاللَّيْلِ ، تَغْدُو وَتَرُوحُ ، يُقَالُ غَدَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَاغْدُوا ، قَالَتْ أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا ، رَاحَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا ، مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ " . فَإِذَا قِيلَ مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهَا تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ وَمِنْ بَرْهُوتَ وَمِنْ حَبْسِ سَيْلٍ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا تَخْرُجُ أَوَّلًا مِنْ بَرْهُوتَ وَيُقَالُ لَهُ وَادِي النَّارِ وَهُوَ فِي قَعْرِ عَدَنَ وَعَدَنُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَالْعِبَارَاتُ مَآلُهَا وَاحِدٌ ، وَتَمُرُّ بِحَبْسِ سَيْلٍ أَيْضًا وَالْخِطَابُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحَبْسُ سَيْلٍ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَوُصُولُ النَّارِ إِلَيْهِ يَكُونُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَبْسِ سَيْلٍ . فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهَا تَطِيرُ طَيْرَ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ وَتَدُورُ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ ، وَبَيْنَ كَوْنِهَا تَسِيرُ سِيَرَ بَطِيئَةِ الْإِبِلِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ لَهَا حَالَاتٍ فَتَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا ، وَإِنْ ثَبَتَ تَعَدُّدُ النَّارِ زَالَ أَصْلُ الِاسْتِشْكَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية