الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
( ( فَصْلٌ ) ) فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَعَلَامَاتِهَا الدَّالَّةِ عَلَى اقْتِرَابِهَا وَمَجِيئِهَا قَالَ تَعَالَى : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) وَقَالَ : ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) أَيْ أَمَارَاتُهَا وَعَلَامَاتُهَا وَاحِدُهَا شَرَطٌ ، قَالَ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) وَقَالَ : ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَلَا تَكَادُ تُحْصَى . فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُوصَفُ بِالِاقْتِرَابِ مَا قَدْ مَضَى قَبْلَ وُقُوعِهِ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَنَيِّفٌ وَسَبْعُونَ عَامًا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَجَلَ إِذَا مَضَى أَكْثَرُهُ وَبَقِيَ أَقَلُّهُ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ اقْتَرَبَ الْأَجَلُ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَجَلَ الدُّنْيَا قَدْ مَضَى أَكْثَرُهُ وَبَقِيَ أَقَلُّهُ ، وَلِقُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى جَعَلَهَا كَغَدٍ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِكَ فَقَالَ : ( وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) وَقَالَ تَعَالَى : ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ( ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ) ) وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَأَفْضَلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ : " بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ " . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ - وَفِي لَفْظٍ - إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ " . وَلَمَّا كَانَ أَمْرُ السَّاعَةِ شَدِيدًا وَهَوْلُهَا مَزِيدًا وَأَمْرُهَا بَعِيدًا كَانَ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَلِهَذَا أَكْثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيَانِ أَشْرَاطِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَأَخْبَرَ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْفِتَنِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ وَنَبَّهَ أُمَّتَهُ وَحَذَّرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ الشَّدِيدَةِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ مَجِيءِ السَّاعَةِ مِمَّا انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَإِنَّمَا أَخْفَاهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ لِئَلَّا يَتَبَاطَئُوا عَنِ التَّأَهُّبِ وَالِاسْتِعْدَادِ كَمَا أَنَّ إِخْفَاءَ وَقْتِ الْمَوْتِ أَصْلَحُ لَهُمْ وَأَنْفَعُ وَقَدِ انْتَدَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَعْيِينِ قُرْبِهَا وَزَمَنِ كَوْنِهَا وَمَجِيئِهَا وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَمَا صَحَّ مِنْهَا فَدَلَالَتُهَا غَيْرُ صَرِيحَةٍ . وَذَكَرَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ ذَلِكَ فِي جُزْءٍ لَهُ سَمَّاهُ الْكَشْفَ وَذَكَرَ هُوَ تَقْرِيبًا أَنَّهَا تَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْخَمْسِمِائَةِ بَعْدَ الْأَلْفِ أَوْ أَزْيَدَ . قَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مَرْعِيٌّ فِي ( بَهْجَةِ النَّاظِرِينَ ) : وَهَذَا أَيْضًا مَرْدُودٌ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ظَنٌّ وَحُسْبَانٌ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية