الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
وَقَوْلُهُ ( ( وَمَا ) ) أَيْ وَفِي الَّذِي أَوِ الْأَشْيَاءِ أَيْ وَالْهَوْلِ الَّذِي ( ( أَتَى ) ) عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ( ( فِي ذَا ) ) اسْمُ إِشَارَةٍ يَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِتْنَةِ الْبَرْزَخِ وَالْقُبُورِ ( ( مِنَ الْأُمُورِ ) ) الْمَهُولَةِ الْعَجِيبَةِ وَالْأَشْيَاءِ الصَّعْبَةِ الْغَرِيبَةِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لَا يُرَدُّ . ( مِنْهَا ) سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَالْإِيمَانُ بِذَلِكَ وَاجِبٌ شَرْعًا لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ يَبْلُغُ مَجْمُوعُهَا مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ ، وَقَدِ اسْتُنْبِطَ ذَلِكَ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ - زَادَ مُسْلِمٌ " يُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ " فَذَلِكَ قَوْلُهُ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " إِذَا قَعَدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ " يُثَبِّتُ اللَّهُ " الْآيَةَ . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ أَيْضًا مَرْفُوعًا " يُقَالُ لِلْكَافِرِ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَهُوَ تِلْكَ السَّاعَةَ أَصَمُّ أَعْمَى أَبْكَمُ فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا " الْحَدِيثَ . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ " يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ دِينَيَ الْإِسْلَامُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا يُدْرِيكَ ؟ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهِ مَدَّ بَصَرِهِ " وَقَالَ فِي الْكَافِرِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي - إِلَى أَنْ قَالَ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ قَالَ فَيَأَتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِع فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ - لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ وَقَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - يَعْنِي الْمَقْعَدَيْنِ - قَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ - وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي ، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ ، فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ غَيْرِ الثَّقَلَيْنِ . زَادَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ فَإِنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ ، فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، قَالَ فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِ هَذَا . وَزَادَ أَيْضًا فَيَقُولُ دَعُونِي حَتَّى أُبَشِّرَ أَهْلِي فَيُقَالُ لَهُ اسْكُنْ ، وَذَكَرَ الْكَافِرَ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ثُمَّ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا ، فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْمُرْتَابُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ " . وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ " وَلَقَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ يُسْأَلُ الرَّجُلُ مَا كُنْتَ تَقُولُ وَمَا كُنْتَ تَعْبُدُ " نَحْوَ مَا سَبَقَ . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا وَفِيهِ " أَتَاهُ " مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ أَعْيُنُهُمَا مِثْلُ قُدُورِ النُّحَاسِ وَأَنْيَابُهُمَا مِثْلُ صَيَاصِي الْبَقَرِ - أَيْ قُرُونِهَا - وَأَصْوَاتُهُمَا مِثْلُ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَمِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ يَا عُمَرُ إِذَا كُنْتَ مِنَ الْأَرْضِ فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ وَرَأَيْتَ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ؟ قَالَ " فَاتِنَا الْقَبْرِ يَبْحَثَانِ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ مِنًى لَمْ يُطِيقُوا رَفْعَهَا هِيَ أَيْسَرُ عَلَيْهِمَا مِنْ عَصَايَ هَذِهِ " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا عَلَى حَالِي هَذِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ ، فَقُلْتُ إِذًا أَكْفِيكَهُمَا " وَفِي رِوَايَةٍ : " فَامْتَحَنَاكَ فَإِنِ الْتَوَيْتَ ضَرَبَاكَ بِهَا ضَرْبَةً صِرْتَ رَمَادًا " وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ قَالَ عُمَرُ أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَعَمْ كَهَيْئَاتِكُمُ الْيَوْمَ " فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِفِيهِ الْحَجَرُ " . وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمَوْتَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ سَبْعًا فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْأَيَّامَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ فِي عُلُومِ الْآخِرَةِ مَا لَعَلَّهُ يَشْفِي وَيَكْفِي .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية