الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ قَالَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ وَهُمْ يَغْدِرُونَ وَيَنْقُضُونَ، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا، فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فِي وَفَاءِ الْعَهْدِ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِإِتْمَامِ أَجَلِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي أَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ لِمَنْ عَاهَدَهُ. قَوْلُهُ: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وَحَالُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ: يَقْدِرُوا عَلَيْكُمْ، وَيَظْفَرُوا بِكُمْ، لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ لَا يَحْفَظُوا فِيكُمْ، إِلًّا قَرَابَةً، وَلَا ذِمَّةً عَهْدًا، يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يَقُولُونَ كَلَامًا حُلْوًا، وَتَأْبَى قُلُوبُهُمُ الْوَفَاءَ بِمَا يَقُولُونَ، وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ كَاذِبُونَ نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ. اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا اسْتَبْدَلُوا بِالْقُرْآنِ مَتَاعَ الدُّنْيَا، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ فَأَعْرَضُوا عَنْ طَاعَتِهِ، إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ اشْتِرَائِهِمُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ ذَمَّهُمْ بِتَرْكِ الْمُرَاقَبَةِ لِلْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ الْمُجَاوِزُونَ لِلْحَلَالِ إِلَى الْحَرَامِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، فَإِنْ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُمِرْتُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ مَا كَانَ أَفْقَهَهُ، أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ الصَّلَاةَ إِلَّا بِالزَّكَاةِ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ نُبَيِّنُهَا، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنَى الْقَسَمِ، يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، يَقُولُ: إِنْ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ، يُقَالُ: نَكَثَ الْعَهْدَ إِذَا نَقَضَهُ، وَنَكَثَ يَمِينَهُ إِذَا خَالَفَ مُوجِبَهَا، وَقَوْلُهُ: وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ أَيْ: عَابُوا دِينَكُمْ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إِذَا طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ أَلَّا يَطْعَنَ فَإِنْ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ. وَقَوْلُهُ: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يَعْنِي رُءُوسَ قُرَيْشٍ وَقَادَتَهُمْ وَهُمْ: أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْأَصْلُ فِي أَيِمَّةٍ: أَأْمِمَةٌ لِأَنَّهَا جَمْعُ إِمَامٍ مِثْلَ: مِثَالٍ وَأَمْثِلَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْمِيمَانِ أُدْغِمْتِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْهَمْزَةِ فَصَارَتْ أَئِمَّةً، فَأُبْدِلَ مِنَ الْهَمْزَةِ الْمَكْسُورَةِ يَاءٌ، كَرَاهَةً لِاجْتِمَاعِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، وَمَنْ قَرَأَ بِهَمْزَتَيْنِ رَاعَى الْأَصْلَ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا عُهُودَ لَهُمْ، وَالْمَعْنَى: لَا أَيْمَانَ لَهُمْ صَادِقَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ لَهُمُ الْأَيْمَانَ فِي قَوْلِهِ: نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ، فَالْمَنْفِيُّ غَيْرُ الْمُثْبَتِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْكَسْرِ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ: يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَفَرَةٌ لَا إِسْلَامَ لَهُمْ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى لَا تُؤَمِّنُوهُمْ فَيَكُونُ مَصْدَرَ قَوْلِكَ: أَمَّنْتُهُ إِيمَانًا. وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ فَلَا يُؤَمَّنُ كَمَا يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَالْإِيمَانُ هَاهُنَا يُرَادُ بِهِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ التَّخْوِيفِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكُفْرِ كَانَ تَكْرِيرًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إِيمَانَ لَهُمْ، وَقَوْلَهُ: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَيْ يَنْتَهُوا عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية