الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ قَوْلُهُ: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" الْآيَةَ، قَالَ الضَّحَّاكُ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَخَمْسَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : يَعْنِي الْيَهُودَ. يُقَالُ: كَفَرَ كُفْرًا وَكُفُورًا، كَمَا يُقَالُ: شَكَرَ شُكْرًا وَشُكُورًا، وَمَعْنَى "الْكُفْرِ" فِي اللُّغَةِ: السَّتْرُ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : كُلُّ مَا سَتَرَ شَيْئًا فَقَدْ كَفَرَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: اللَّيْلُ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ يَسْتُرُ بِظُلْمَتِهِ الْأَشْيَاءَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْكَافِرُ كَافِرًا لِأَنَّهُ سَتَرَ إِنْعَامَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْهُدَى وَالْآيَاتِ الَّتِي بَانَتْ لِذَوِي التَّمْيِيزِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهَا وَرَدَّهَا فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ، أَيْ: سَتَرَهَا وَغَطَّاهَا. وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ : كُفْرُ إِنْكَارٍ، وَكُفْرُ جُحُودٍ، وَكُفْرُ مُعَانَدَةٍ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ، فَمَنْ لَقِيَ رَبَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ. أَمَّا كُفْرُ الْإِنْكَارِ: فَهُوَ أَنْ يَكْفُرَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَلَا يَعْرِفَ مَا يُذْكَرُ لَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَكُفْرُ الْجُحُودِ: أَنْ يَعْرِفَ بِقَلْبِهِ وَلَا يَعْتَرِفَ بِلِسَانِهِ كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ يَعْنِي: كُفْرَ الْجُحُودِ، وَأَمَّا كُفْرُ الْمُعَانَدَةِ: فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ بِقَلْبِهِ وَيُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَلَا يَقْبَلَ وَلَا يَدِينَ بِهِ، كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارِ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ: فَأَنْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ، وَيَكْفُرَ بِقَلْبِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ: مُعْتَدِلٌ وَمُتَسَاوٍ عِنْدَهُمْ، أَأَنْذَرْتَهُمْ: أَأَعْلَمْتَهُمْ وَخَوَّفْتَهُمْ، وَالْإِنْذَارُ: إِعْلَامٌ مَعَ تَخْوِيفٍ، فَكُلُّ مُنْذِرٍ مُعَلِّمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُعَلِّمٍ مُنْذِرًا، يُقَالُ: أَنْذَرْتُهُ فَنَذَرَ، أَيْ: عَلِمَ بِمَوْضِعِ الْخَوْفِ. قَالَ الْوَالِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي هَذِهِ الْآيَةِ-: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِصُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الشَّقَاءُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ فِي تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ فَقَالَ: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ قَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَى "خَتَمَ وَطَبَعَ" فِي اللُّغَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّغْطِيَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِيثَاقُ مِنْهُ بِأَنْ لَا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ، وَالْخَتْمُ عَلَى الْوِعَاءِ يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِيهِ وَالْخُرُوجَ مِنْهُ، كَذَلِكَ الْخَتْمُ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ، يَمْنَعُ دُخُولَ الْإِيمَانِ فِيهَا وَخُرُوجَ الْكُفْرِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْكُفْرَ فِيهَا، وَيَصُدَّهُمْ عَنِ الْهُدَى فَلَا يَدْخُلُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ وَقَوْلُهُ: وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَحَّدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : اكْتَفَى مِنَ الْجَمْعِ بِالْوَاحِدِ لِأَنَّهُ تَوَسَّطَ جَمْعَيْنِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، وَقَوْلِهِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ، وَتَمَّ الْكَلَامُ، هَاهُنَا، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ الْأَبْصَارُ: جَمْعُ الْبَصَرِ وَهُوَ الْعَيْنُ، يُقَالُ: تَبَصَّرْتُ الشَّيْءَ إِذَا رَأَيْتَهُ، وَالْغِشَاوَةُ: الْغِطَاءُ، وَيُقَالُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي عَلَى الْوَلَدِ: غِشَاوَةٌ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ، وَطَبَعَ فِي الْمَعْنَى: كَـ"خَتَمَ". قَالَ الزَّجَّاجُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَيُبْصِرُونَ وَيَعْقِلُونَ وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذِهِ الْحَوَاسَّ اسْتِعْمَالًا يَنْفَعُهُمْ، فَصَارُوا كَمَنْ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ. وَقَوْلُهُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ الْعَذَابُ: كُلُّ مَا يُعَنِّي الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، وَالْعَظِيمُ: فَعِيلٌ مِنَ الْعَظْمِ، وَهُوَ كَثْرَةُ الْمِقْدَارِ فِي الْجُثَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: كَلَامٌ عَظِيمٌ، وَأَمْرٌ عَظِيمٌ، أَيْ: عَظِيمُ الْقَدْرِ، يُرِيدُونَ بِهِ: الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ، وَمَعْنَى وَصْفِ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ: هُوَ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْآلَامِ، بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُهَا فُرْجَةٌ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية