الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا سَبَقُوا بِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إِلَى قَوْلِهِ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَقَوْلُهُ: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ أَيْ: يُدِيمُونَهَا، وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا، وَيُقَالُ: قَامَ الشَّيْءُ إِذَا دَامَ وَثَبَتَ، وَأَقَامَهُ إِذَا أَدَامَهُ، وَالصَّلَاةُ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ" . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : قَوْلُهُ: "فَلْيُصَلِّ" أَيْ: فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ، وَكُلُّ دَاعٍ فَهُوَ مُصَلٍّ. هَذَا مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ، ثُمَّ ضُمَّتْ إِلَيْهَا هَيْئَاتٌ وَأَرْكَانٌ سُمِّيَتْ مَجْمُوعُهَا صَلَاةً، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ: إِقَامَتُهَا: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَوُضُوئِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَوْلُهُ: "وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ" يُقَالُ: رَزَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ رَزْقًا وَرِزْقًا، فَالرَّزْقُ، بِالْفَتْحِ، هُوَ الْمَصْدَرُ الْحَقِيقِيُّ، وَالرِّزْقُ: الِاسْمُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَكُلُّ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْعَبْدُ فَهُوَ رِزْقُهُ مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ وَعَبْدٍ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: "يُنْفِقُونَ" مَعْنَى الْإِنْفَاقِ فِي اللُّغَةِ: إِخْرَاجُ الْمَالِ مِنَ الْيَدِ، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ: نَفَقَ الْمَبِيعُ إِذَا كَثُرَ مُشْتَرُوهُ فَخَرَجَ عَنْ يَدِ الْبَائِعِ، وَنَفَقَتِ الدَّابَّةُ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهَا، قَالَ قَتَادَةُ : يُنْفِقُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ. قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْآيَةَ، قَالَ مُجَاهِدٌ : الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّ آيَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ نَزَلَتَا فِي مُؤْمِنِي الْعَرَبِ، وَالْآيَتَانِ بَعْدَهُمَا نَزَلَتَا فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ كِتَابٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ : الْقُرْآنُ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يَعْنِي: الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَقَوْلُهُ: "وَبِالْآخِرَةِ" أَيْ: وَبِالدَّارِ الْآخِرَةِ، "هُمْ يُوقِنُونَ" يُقَالُ: يَقِنَ يَيْقَنُ يَقْنًا فَهُوَ يَقِينٌ، وَأَيْقَنَ بِالْأَمْرِ وَاسْتَيْقَنَ وَتَيَقَّنَ كُلُّهُ وَاحِدٌ، وَ(الْيَقِينُ): هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ اسْتِدْلَالٍ وَنَظَرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى يَقِينًا؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ لَمْ يَحْصُلْ عَنِ اسْتِدْلَالٍ وَنَظَرٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَيَعْلَمُونَهَا عِلْمًا بِاسْتِدْلَالٍ. قَوْلُهُ: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ "أُولَاءِ" : كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الْكِنَايَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ نَحْوَ "هُمْ"، وَالْكَافُ فِيهِ لِلْمُخَاطَبَةِ، نَحْوَ كَافِ "ذَلِكَ". وَالْمَعْنَى: هُمْ عَلَى بَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَدَاهُمْ لِدِينِهِ. وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قَالَ الزَّجَّاجُ : يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَصَابَ خَيْرًا: مُفْلِحٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَالْمَعْنَى: هُمُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا الْبُغْيَةَ، وَوَجَدُوا النَّعِيمَ الْمُقِيمَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية