الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ : ( وَلَاشَيْءَ مِثْلُهُ ) . ش : اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، لَا فِي ذَاتِهِ ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ . وَلَكِنْ لَفْظُ التَّشْبِيهِ قَدْ صَارَ فِي كَلَامِ النَّاسِ لَفْظًا مُجْمَلًا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الصَّحِيحُ ، وَهُوَ مَا نَفَاهُ الْقُرْآنُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ ، مِنْ أَنَّ خَصَائِصَ الرَّبِّ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَلَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( الشُّورَى : 11 ) ، رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ الْمُشَبِّهَةِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، رَدٌّ عَلَى النُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةِ ، فَمَنْ جَعَلَ صِفَاتِ الْخَالِقِ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ ، فَهُوَ الْمُشَبِّهُ الْمُبْطِلُ الْمَذْمُومُ ، وَمَنْ جَعَلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ مِثْلَ صِفَاتِ الْخَالِقِ ، فَهُوَ نَظِيرُ النَّصَارَى فِي كُفْرِهِمْ . وَيُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلَّهِ شَيْءٌ مِنَ الصِّفَاتِ ، فَلَا يُقَالُ : لَهُ قُدْرَةٌ ، وَلَا عِلْمٌ ، وَلَا حَيَاةٌ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ! وَلَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ : حَيٌّ ، عَلِيمٌ ، قَدِيرٌ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ ، وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَإِرَادَتُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَهُمْ يُوَافِقُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ ، عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، حَيٌّ . وَالْمَخْلُوقُ يُقَالُ لَهُ : مَوْجُودُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، وَلَا يُقَالُ : هَذَا تَشْبِيهٌ يَجِبُ نَفْيُهُ ، وَهَذَا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَصَرِيحُ الْعَقْلِ ، وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ عَاقِلٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءَ ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِهَا ، وَكَذَلِكَ سَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءَ ، وَسَمَّى بِبَعْضِهَا صِفَاتِ خَلْقِهِ ، وَلَيْسَ الْمُسَمَّى كَالْمُسَمِّي فَسَمَّى نَفْسَهُ : حَيَّا ، عَلِيمًا ، قَدِيرًا ، رَؤُوفًا ، رَحِيمًا ، عَزِيزًا ، حَكِيمًا ، سَمِيعًا ، بَصِيرًا ، مَلِكًا ، مُؤْمِنًا ، جَبَّارًا ، مُتَكَبِّرًا . وَقَدْ سَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَقَالَ : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ( الْأَنْعَامِ : 95 ، وَالرُّومِ : 19 ) . وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ( الذَّارِيَاتِ : 28 ) . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ( الصَّافَّاتِ : 101 ) بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( التَّوْبَةِ : 128 ) . فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ( الدَّهْرِ : 2 ) . قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ ( يُوسُفَ : 51 ) . وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ( الْكَهْفِ : 79 ) . أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا ( السَّجْدَةِ : 18 ) . كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( الْمُؤْمِنِ : 35 ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ الْحَيُّ الْحَيَّ ، وَلَا الْعَلِيمُ الْعَلِيمَ ، وَلَا الْعَزِيزُ الْعَزِيزَ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ( الْبَقَرَةِ : 255 ) . أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ( النِّسَاءِ : 166 ) . وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ( فَاطِرٍ : 11 ) . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( الذَّارِيَاتِ : 58 ) . أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ( السَّجْدَةِ : 15 ) . وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ، ثُمَّ لْيَقُلْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ : عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي ، وَيَسِّرْهُ لِي ، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ ، وَإِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ : عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي ، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ . قَالَ : وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَفِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ : اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ ، أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زِيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية