الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الإحكام في أصول الأحكام

          الآمدي - علي بن محمد الآمدي

          الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ - الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ وَلَمَّا كَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً لِلْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَمُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَأَخِّرًا عَنِ النَّظَرِ فِي وُجُودِ الْوَصْفِ . وَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ ؛ لِعُمُومِ وُرُودِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى كَوْنُهُ عِلَّةً ، وَاتِّسَاعِ طُرُقِ إِثْبَاتِهِ ، وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ . . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالْمُخْتَارُ لُزُومُ قَبُولِهِ . وَذَلِكَ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إِسْنَادُهُ إِلَى مُجَرَّدِ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ دُونَ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا . وَالْجَامِعُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لَا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ انْظُرِ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ مَسَائِلِ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ . . وَالْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَاعِثًا ، فَيَمْتَنِعُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْقِيَاسِ ، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ مَنْعَ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ وَالْمُطَالَبَةَ بِتَأْثِيرِهِ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ ، ثِقَةً مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِامْتِنَاعِ مُطَالَبَتِهِ بِالتَّأْثِيرِ ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ فَسَادِهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالْقِيَاسِ ، غَيْرَ أَنَّا اسْتَثْنَيْنَا مِنْهُ مَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ فِيهِ مُخَيَّلَةً ؛ أَوْ شَبِيهَةً لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِقِيَاسٍ عِلَّتُهُ طَرْدِيَّةٌ مُخَيَّلَةٌ - أَيْ : مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مُنَاسَبَةٍ تَجْعَلُهَا صَالِحَةً لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا ، وَطَرْدِيَّةٌ ؛ أَيْ : غَيْرُ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ . . إِلَخْ . فَبَقِينَا فِيهِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ قَبُولُ سُؤَالِ مَنْعِ التَّأْثِيرِ وَبَيَانُ كَوْنِ الْوَصْفِ مُؤَثِّرًا . وَعِنْدَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُبَهِ الرَّادِّينَ لَهُ وَتَحْقِيقِ جَوَابِهَا ، وَقَدِ احْتَجُّوا بِشُبَهٍ . الْأُولَى : أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ سُؤَالُ مَنْعِ التَّأْثِيرِ ؛ فَمَا مِنْ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً إِلَّا وَهَذَا السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَيْهِ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى ، فَيَجِبُ رَدُّهُ حِفْظًا لِلْكَلَامِ عَنِ الْخَبْطِ وَالنَّشْرِ . الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ سِوَى رَدِّ الْفَرْعِ إِلَى الْأَصْلِ بِجَامِعٍ ، وَقَدْ أَتَى بِهِ الْمُسْتَدِلُّ وَخَرَجَ عَنْ وَظِيفَتِهِ ، فَعَلَى الْمُعْتَرِضِ الْقَدْحُ فِيهِ . الثَّالِثَةُ : أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ احْتَاجَ إِلَى بَيَانِهِ . الرَّابِعَةُ : أَنَّا بَحَثْنَا فَلَمْ نَجِدْ سِوَى هَذِهِ الْعِلَّةِ ، فَعَلَى الْمُعْتَرِضِ الْقَدْحُ فِيهَا أَوْ إِبْدَاءُ غَيْرِهَا . الْخَامِسَةُ : أَنَّهُمْ قَالُوا : عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ دَلِيلُ صِحَّتِهِ كَالْمُعْجِزَةِ ، فَالْمَنْعُ مِنَ الصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِ دَلِيلِ الصِّحَّةِ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا . السَّادِسَةُ : قَوْلُهُمْ حَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ يَرْجِعُ إِلَى الْمُنَازَعَةِ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَازَعًا فِيهَا لِيُتَصَوَّرَ الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِ . السَّابِعَةُ : أَنَّ حَاصِلَ الْقِيَاسِ يَرْجِعُ إِلَى تَشْبِيهِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَالشُّبَهُ حُجَّةٌ ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْوَصْفِ الْجَامِعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِبْدَاءِ غَيْرِهِ . الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُمْ هَذَا الْوَصْفُ مُطَّرِدٌ لَمْ يَتَخَلَّفْ حُكْمُهُ عَنْهُ فِي صُورَةٍ ، فَكَانَ صَحِيحًا . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى : أَنَّ التَّسَلْسُلَ مُنْقَطِعٌ بِذِكْرِ مَا يُفِيدُ أَدْنَى ظَنٍّ بِالتَّعْلِيلِ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا قَبْلُ ، هِيَ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ الَّتِي سَبَقَ لَهُ بَيَانُهَا . فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِعِلِّيَّةِ مَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ عِلَّةً بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ عِنَادًا ، وَهُوَ مَرْدُودٌ إِجْمَاعًا . وَعَنِ الثَّانِيَةِ : بِمَنْعِ تَحَقُّقِ الْقِيَاسِ بِجَامِعٍ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ عِلَّةً . وَعَنِ الثَّالِثَةِ : بِمَنْعِ أَنَّ الْأَصْلَ عِلِّيَةُ كُلِّ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَهُ مِنَ الْأَوْصَافِ . وَعَنِ الرَّابِعَةِ : أَنَّ الْبَحْثَ مَعَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ كَمَا سَبَقَ ، سَبَقَ ذَلِكَ فِي مَسْلَكِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ . فَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ وَقَبُولًا لَهُ لَا أَنَّهُ رَدٌّ لَهُ . وَعَنِ الْخَامِسَةِ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ ، لَكَانَ عَجْزُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ دَلِيلَ فَسَادِهَا وَلَا أَوْلَوِيَّةَ وَلَكَانَ عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى إِبْطَالِ مَا ادَّعَى مِنَ الْحُكْمِ فِي الْفَتْوَى دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ . وَعَنِ السَّادِسَةِ : أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَازَعًا فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا عِلَّةً ، كَمَا فِي الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ . وَعَنِ السَّابِعَةِ : أَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ظَنِّ إِثْبَاتِهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي مُطْلَقِ وَصْفٍ مُفِيدٍ لِلظَّنِّ . وَعَنِ الثَّامِنَةِ : أَنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْتَقِضٍ ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ فِي طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ . وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً ، وَطَرِيقُ إِثْبَاتِ ذَلِكَ مَا يُسَاعِدُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا قَبْلُ .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية