الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالحمد لله أن وفقك للتوبة من هذه الكبائر قبل أن يدهمك الموت، وحينئذ لا ينفع الندم.
ونبشرك بأن الله يقبل توبة من جاءه نادمًا. قال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [التوبة: 104}. وقال أيضا: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110].
فالتوبة تجب ما قبلها، وتمحو الذنوب السالفة. قال صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
بل إن التائب تتبدل سيئاته حسنات. قال تعالى بعد أن توعد مرتكبي الفواحش بالعذاب الأليم قال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70].
فأحسن الظن بربك، وارج رحمته، ووازن بين خوفك منه وطمعك في سعة رحمته. قال تعالى عن المؤمنين: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة: 16]. وانظر الفتوى: 16907.
وكما عققت والديك من قبل، فأحسن إليهما الآن، فإن الحسنات يذهبن السيئات، واجتهد في تحصيل الزوجة الصالحة إن كان ذلك ممكنًا؛ لتحصن فرجك، وتعف نفسك، فإن لم تستطع، فاسرد الصوم، فإن له تأثيرًا بالغًا في كسر حدة الشهوة. قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء. رواه البخاري ومسلم.
واحذر من القنوط واليأس من رحمة الله، قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53].
واعلم أن الشيطان يقنط الناس من رحمة الله تعالى حتى يزهدوا في التوبة ولا يسارعوا إليها، ولذلك؛ قال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87]، وقال أيضًا: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56].
فإذا وقعت في بعض المعاصي بعد أن تبت منها فجدد التوبة، فإن الله يفرح بتوبة العبد إذا جاء نادمًا. ففي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنبًا آخر، فقال أي رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما يشاء.
وقال بعض السلف لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان. اهـ.
وانظر الفتوى: 24031.
واحذر الاسترسال مع ما يقع في قلبك من تخيلات بشأن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو تشكيك في دين الإسلام.
واعلم أن هذه الخواطر الرديئة لا تضرك إذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم، وانقطعت ولم تسترسل معها، قال صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها، ما لم تعمل، أو تتكلم. رواه البخاري ومسلم.
واعلم أن كونك ترفض هذه الوساوس وتستقبحها دليل على أن فيك إيمانًا وخوفًا من الله. وانظر الفتويين: 187، 7950، فإن فيهما بيان ذلك.
كما نوصيك بالبحث عن الشباب الصالحين المتمسكين بالدين، فتنخرط فيهم، وتنتظم في سلكهم، فتحافظ على الصلاة معهم في جماعة، وتتلو معهم القرآن، وتتعلم معهم العلم النافع، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
كما ننصحك بكثرة الاستماع إلى الأشرطة الإسلامية، وبمطالعة كتاب في سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى تزداد معرفة به وبأحواله، فيزداد حبك له، فتحشر في زمرته.
والله أعلم.