الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الترغيب في الصبر على البلاء وكيفية مدافعة الجزع والتسخط

السؤال

أحيانًا يطول البلاء على العبد حتى ييأس من الفرج، فكيف يصبر على طول البلاء؟ وهل إذا ابتُلِيتُ بمصائب فصبرت في بعضها وجزعت في بعضها، أُحرم أجر المصائب التي صبرتُ عليها؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالمؤمن لا ييأس من رحمة الله وفرجه مهما طال به البلاء، وضاقت عليه السبل، وتقطعت به الأسباب، قال تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56]، وقال سبحانه: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87]، فكيف ييأس من يرجو ربًا كريمًا رحيمًا قديرًا، واسع العطاء، يغضب على من لم يسأله، بيده خزائن كل شيء؟! قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21].

كيف يقنط المؤمن وهو يعلم أن كل شيء بقضاء وقدر؟! قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49].

والآيات والأحاديث في فضل الصبر ومثوبة أهله كثيرة جدًا، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10]، وقال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157].

وفي صحيح البخاري، وغيره، قال صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرًا يصب منه.

فاصبر، واحتسب، ولا تتسخط على قدر الله تعالى، فإن كل ما يقضيه سبحانه لعبده المؤمن هو خير له، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر، كان خيرًا له.

وعن كيفية الصبر على البلاء راجع الفتوى: 361879.

وبخصوص ما حصل لك من صبر على البلاء، فإنك تثاب عليه إن شاء الله تعالى، ولا يمنع من ذلك حصول الجزع في وقت آخر، فالأصل أن المسلم يثاب على عمله الصالح، فقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30].

والصبر على البلاء لا شك أنه من الأعمال الصالحة، فتُب إلى الله تعالى مما وقعتَ فيه من الجزع والتسخط، وستثاب على صبرك إن شاء الله تعالى.

ففي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: سئل الشيخ -رحمه الله-: عن رجل مدمن على المحرمات، وهو مواظب على الصلوات الخمس، ويصلي على محمد مائة مرة كل يوم، ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله كل يوم مائة مرة؛ فهل يُكَفَّرُ ذلك بالصلاة والاستغفار؟
فأجاب: قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره}، فمن كان مؤمنًا وعمل عملاً صالحًا لوجه الله تعالى، فإن الله لا يظلمه، بل يثيبه عليه.
وأما ما يفعله من الْمُحَرَّمِ اليسير فيستحق عليه العقوبة، ويرجى له من الله التوبة، كما قال الله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم}، وإن مات ولم يتب؛ فهذا أمره إلى الله، هو أعلم بمقدار حسناته وسيئاته
. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني