الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يضيق صدري بتلميحات الناس عن تأخر زواجي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في سن 24، تقدم لخطبتي ثلاثة رجال، وفي كل مرة لا أوفق، رغم قبولي وعدم تعنتي تجاه أي متقدم لي، ودعوت الله كثيرا وأستخيره في كل أمر، لكن يتوالى الخطاب دون أن أوفق لأي منهم! وأنا مؤمنة بأن هذا الأمر بيد الله وحده لكن أحيانا يضيق صدري بتلميحات بعض الناس عن تأخر زواجي، وأشعر أحيانا بأن تأخر زواجي يعود لذنب أذنبته!

فأود أثابكم الله أن ترشدوني إلى ما يصرفني عن التفكير الزائد بمسألة الزواج وأنني غير مرغوبة، وأنني سوف أكبر دون أن أنعم بنعمة الأطفال والزوج الصالح.

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ هدى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحبا بك -أختنا الكريمة-، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
الزواج رزق من الله تعالى يسير وفق ما قضاه الله وقدره للعبد ولا يمكن للعبد أو لأي أحد أن يتحكم فيه، فالله هو الذي يعلم من يكون نصيب من، ومتى يكون زواجهما؛ ولذلك فإن الزواج لا يأتي بشدة الحرص ولا يفوت بالترك، فمتى جاء الوقت الذي قدره الله يسر السبل وهيأ الظروف.

كل من تقدم لخطبتك ليس من رزقك ولذلك صرفهم الله عنك، وعسى أن يكون ذلك خيرا لك، وما عليك إلا أن تكوني مؤمنة بقضاء الله وقدره راضية بذلك، يقول عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)، فعليك أن ترضي بقضاء الله وقدره، وحذار أن تتسخطي وإلا فالجزاء من جنس العمل.

إنني أحس بحاجتك العاطفية والنفسية ورغبتك أن تكوني زوجة وأُماً، ولا زال عمرك لم يتقدم بك كثيرا حتى تخافي كل هذا الخوف ولعل الله يعجل لك بمرغوبك.

تضرعي بالدعاء بين يدي الله تعالى وأنت ساجدة وسلي الله تعالى أن يرزقك الزوج الصالح الذي يسعدك في هذه الحياة.

أكثري من دعاء ذي النون (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَاْنَكَ إِنِّيْ كُنْتُ مِنَ الْظَّاْلِمِيْنَ) فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ).

عليك بالثلث الأخير من الليل حين ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فينادي هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من طالب حاجة فأقضيها له فاطلبي من الله أن يقضي حاجتك.

فتشي في نفسك فلعلك تجدين ذنبا لم تتوبي منه وكلنا أصحاب ذنوب فلعلك أهملت التوبة منه وإن كنت قد تركته فاستغفري الله وتوبي إليه منه، وكوني على حذر من الذنوب ومنها الغيبة والنميمة فإنها تحرم العبد من الرزق وما يصيب العبد من بلاء إلا بسبب الذنوب، يقول تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)، ويقول عليه الصلاة: (وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).

إن لم تستذكري ذنبا بعينه فتوبي توبة عامة فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة وهكذا كان الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-.

بري بوالديك وأحسني إليهما واطلبي منهما الدعاء فإن دعوة الوالد لولده مستجابة، يقول عليه الصلاة والسلام: (ثلاث دعواتٍ يستجيب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده).

لا تشغلي بالك بما هو في علم الغيب ولن ينفعك إشغال بالك في ذلك أبدا بل سيجلب عليك الهموم لأنك لن تتوصلي بذلك إلى شيء، وكلي أمرك لله تعالى فهو مدبر شئون الخلق لا إله غيره ولا رب سواه.

ثقي بالله تعالى وظني به خيرا فإن الله عند ظن عبده به ففي الحديث القُدسي (أَّنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلا يَقُولُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ).

استغلي شهر رمضان بالدعاء فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (وللصائم دعوة لا ترد).

ليس صحيحا أن تقبلي من أتى دون أن تنظري في صفاته ومواصفاته، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا جَاْءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوْهَ إِلَّا تَفْعَلُوْا تَكُنْ فِتْنَةٌ فَيْ الأَرْضِ وَفَسَاْدٌ كَبِيْرُّ)، فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبدا، وهما صمام أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها وإن كرهها سرحها بإحسان.

بقية الصفات الأخرى يمكن أن تتساهلي ببعضها إذا توفر الدين والخلق؛ لأن الصفات الأخرى أغلبها مرتبط بالدين والخلق، وغايتها أن تجعل النفس مطمئنة، فمن وفق في كل الصفات فتلك غاية المنة من الله، ومن فقد بعضها عوضه الله في صفات أخرى.

الناس يخوضون فيما لا يعنيهم ومنهم من اعتاد على الظلم وأكل لحوم الناس، ولذلك فوطني نفسك ألا تعولي على كلامهم فلن ينقصوا من مكانتك، وإن وفقك الله فأتى رزقك فستخرس ألسنتهم ويندمون وربما أتى بعضهم معتذرا.

أوصيك بالاجتهاد في التقرب من الله من خلال الإكثار من الأعمال الصالحة التي تكون مساعدة لك في استجابة الدعاء وتجلب لك الحياة الطيبة، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ).

نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يرزقك الزوج الصالح الذي يسعدك في هذه الحياة إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً