الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمي تكلم نفسها وتظن أمورا غير واقعية! فما علاج حالتها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أرجوكم أن تساعدونا وتجاوبونا، والدتي من سنة أو أكثر لكنها لم تكن فيما قبل بهذه الدرجة، تشك في الناس، وتقول إنها تسمعهم وتراهم يقولون ويفعلون أشياء، على الرغم من وجودنا معها، وتأكدنا من عدم صحة كلامها البتة!

حاولنا إقناعها بعدم صحة ذلك، ولكن دون جدوى، ومؤخراً تقول إن عمي يضع كاميرات وأجهزه تسجيل في المنزل ليتجسس علينا، وتحلف أنها رأته ينظر إليها من الشباك ورآها!

علماً أن هذا كله من المستحيل حدوثه، حاولنا إقناعها ولكن تبكي وتقول بأننا لا نصدقها، وبأننا وأننا، وتبحث في المنزل - وكأن الأمر حقيقي - عن الكاميرات.

الآن تريد أن تذهب إلى عمي وتحلفه أن يخرج المسجل، ونحن نحاول بقدر المستطاع إلا تتقابل معه، ومن غير أنها تكلم نفسها بشكل ملحوظ ومسموع، وأحياناً بشدة وكأنها تتخاصم مع أحد!

حاولنا تنبيهها وإخبارها بذلك، ولكنها تتوتر وتقول ما لكم دخل، اتركوني بحالي، وهذا كله من القهر والظلم وغير ذلك.

تقول بأنه توجد عصابة تريد قتل أخي، وكل ساعة تدخل أحداً من الذين نعرفهم له علاقة في ذلك وأن أعمامي يريدون أن يستغلونا ويجعلونا خدماً عندهم! وهم يريدون تطليقها من أبي، كما أنها لا تنام كثيراً، وتقوم مثل المفزوعة من نومها.

تعبنا والله! ما ندري كيف نقنعها بأن هذه كلها وساوس.

المشكلة أصبحت تواجه الناس بشكوكها فيهم بأفكار غريبة، وأصبحنا ننعزل عن الناس وأقاربنا، خوفاً من تصرفاتها، على الرغم من أننا أكثر اجتماعية في عائلتنا مما جعلهم يلاحظون ذلك فينا ويتساءلون عن غيابنا.

أريد أن أسأل:

1)هل هذا مرض نفسي؟ وما هو نوعه؟
2)كيف نتعامل معها وخصوصاً أننا نخاف على إخواننا الصغار من تأثيرها، لأنهم بدؤوا يلاحظون ويسألون.

3)هل نستطيع علاجها بدون الذهاب إلى طبيب؟ ولكن عن طريق التواصل معكم، وجلب الدواء من الصيدلية لعدم مقدرتنا للذهاب إلى طبيب، حيث أننا نسكن في محافظة بسبب عمل والدي، والآن انتقل إلى المدينة، ونريد الانتقال معه في السنة المقبلة، وهو الآن لا يتواجد عندنا كثيراً على الأقل حالياً؟

4)هل يوجد أمل في شفائها نهائياً؟ على الرغم من أن عمرها فوق الخامسة والثلاثين، وكم أقصى وأدنى مدة للعلاج؟ وما أعراضه الجانبية؟
5)هل من الممكن أن والدتي تؤذي نفسها أو تؤذي إخواني أو الآخرين، وكيف نقنعها بأنها مريضة؟

أرجوكم ساعدونا في حل هذه المشكلة، وأرجوكم أجيبونا بأسرع وقت، لأننا وصلنا إلى حد ما الله به عليم، ولكن أملنا بالله سبحانه وتعالى، ثم بكم كبير، وجعل الله ذلك في موازين حسناتكم.

وشكراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ روح الأمل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

نشكرك على اهتمامك بوالدتك، وهذا إن شاء الله باب من أبواب البر، نسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر والمثوبة والدرجات، ونشكرك كذلك على حسن وصفك لحالتها، مما يجعل أمر تشخيص الحالة ليس بالصعب أبدًا.

مجمل الأفكار والسلوك الذي ينتج من هذه التصرفات التي تقوم بها والدتك يدل على أنها تعاني من حالة نفسية تعرف بالظنان الباروني، أو الظنان الاضطهادي، وهي حالة نفسية عقلية معروفة.

أسباب هذه الحالات غير معروفة بدقة، لكن يُعتقد أنه تحدث تغيرات كيميائية في خلايا الدماغ، ومن خلال هذه التغيرات التي تشمل مادة تسمى بالدوبامين، وأخرى تسمى بالسيروتونين، وربما مواد أخرى لم يتوصل العلم لدورها بدقة شديدة حتى الآن، من خلال هذه التغيرات تحدث هذه الأفكار الظنانية، والتي قد تتبعها بعض الهلاوس في بعض الأحيان.

الشخص الذي يعاني من مثل هذا المرض يكون مفتقد البصيرة تمامًا، وأقصد بذلك أنه يكون مقتنعًا قناعة مطلقة بأن أفكاره صحيحة، وأن الآخرين على خطأ، لذا نحن دائمًا - وكخط أساسي للعلاج - لا نفضل أبدًا أن يناقش الشخص في أفكاره، أو أن تكون هنالك محاولة لتحدي أفكاره هذه وتكذيبها له بصورة مطلقة، لأن انتقاده واتهامه بالتوهم وأن هذه الأفكار ليست صحيحة هذا يؤدي إلى المزيد من الظنان والتوهم، وربما يتسلط الشخص المريض بأفكاره الظنانية على الشخص الذي يحاول أن يقنعه بأنه مريض.

المنهج الذي يجب أن تتبعوه هو أن لا تناقشوها كثيرًا حول أفكارها، بالطبع لا تؤيدوها، لا تعطوها الشعور بأنها حقيقية، لكن في ذات الوقت حاولوا التجنب ولا تناقشوها، وقولوا لها (لا تشغلي نفسك بهذه الأفكار، الناس تظن بك الخير، الناس تحبك) وشيء من هذا القبيل، هذا هو طريقة التعامل.

ثانيًا: لابد من أخذها إلى الطبيب النفسي، لأن هذه الحالات تعالج، لكن هنالك شروط أساسية لأن يؤدي العلاج ما هو مرجوٌ منه، وأهم شرط هو مواصلة الدواء، وأن تكون جرعته صحيحة، وأن تكون مدة العلاج صحيحة، وهذا النوع من المرض الظناني الاضطهادي الباروني والذي يسمى بـ (الزوري) أيضًا يتطلب علاجاً لمدة عامين على الأقل في المرحلة الأولى، وبعض الناس قد تحتاج لمدد أطول من ذلك، وهذه المدة – أي السنتين – ليست طويلة أبدًا، والاستجابات وعلامات التحسن تظهر بعد أربعة إلى ستة أسابيع من بداية تناول الدواء.

إذن إذا كان بالإمكانية الذهاب بها إلى الطبيب هذا هو الأفضل والأحسن، لكنك ذكرت أن الظروف قد لا تسمح بذلك.

أنا سأصف لك أدوية، وأتمنى أن تكون الوالدة تتمتع بصحة جسدية جيدة، بمعنى أنها ليست مصابة بالسكر أو الضغط أو ضعف في الدم أو شيء من هذا القبيل، إذا كانت حالتها الصحية طيبة وممتازة فهذا يطمئننا كثيرًا.

أقول هذا بالرغم من قناعاتي التامة بأن الأدوية الحديثة حتى بالنسبة للذين يعانون من أمراض عضوية هي أدوية سليمة جدًّا، لكن الأخلاق المهنية والضوابط الطبية السليمة والرصينة تحتم أن نكون على تأكد وانضباط حول سلامة الناس.

أعتقد أن ذهابها إلى الطبيب يمكن أن يكون من خلال عدة آليات، لا تقولي أنت مريضة، قولي لها (نراك منهكة بعض الشيء، ولديك ضعف في النوم، لماذا لا نذهب وتقومي بإجراء بعض الفحوصات مثلا)، هذا في حالة إن تيسر الذهاب إلى الطبيب.

أما إذا لم يتيسر ذلك فهنالك دواء يعرف باسم (أولانزبين)، وهذا هو اسمه العلمي، ويسمى تجاريًا باسم (زبركسا) وله مسميات أخرى.

هذا الدواء دواء فعال جدًّا يمكن للوالدة أن تبدأ في تناوله بحبة واحدة (خمسة مليجرام) ليلاً لمدة أسبوعين، بعد ذلك ترفع الجرعة إلى عشرة مليجرام ليلاً، وتستمر عليها لمدة ستة أشهر على الأقل على هذا النسق.

الجرعة في بعض الأحيان نحتاج أن نزيدها حتى تصل عشرين مليجرامًا في اليوم، لكن هذا يجب أن يكون تحت إشراف طبي.

هذا الدواء فعال جدًّا وممتاز جدًّا، يعاب عليه أنه ربما يكون مكلفًا ماديًا بعض الشيء، لكن توجد منتجات تجارية منه في كثير من الدول، وهي ليست غالية الثمن.

هنالك دواء بديل يعرف باسم (رزبريادال) وهنالك دواء أيضًا يسمى (إبليفاي)، وهنالك دواء يسمى (كواتبين) كلها أدوية فاعلة.

إذن الأمل موجود ومعقود، ورحمة الله تعالى واسعة، وسبل العلاج كثيرة، وحالة والدتك يمكن أن تتعالج وتشفى مائة بالمائة، ولا أعتقد أنها تشكل أي خطورة على أي إنسان، خاصة إذا تناولت الدواء، ويمكن أن تقوم بدورها الأسري كاملاً.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونسأل الله لها الشفاء والعافية، ونشكرك على اهتمامك بأمرها، وزادك الله برًّا وإحسانًا وتوفيقًا.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً