الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تسرعت في اتخاذ قرار تغيير العمل وندمت..أرجو منكم النصيحة!

السؤال

السلام عليكم.

أنا ملتزم دينياً، وحافظ لكتاب الله، وبار بأمي، عُرضت عليّ وظيفة من قِبل أحد الدعاة الذين كرّسوا حياتهم لله ولخدمة الدِّين، ولكن يجب ترك وظيفتي الحالية (وظيفة بالدولة)، والاستقالة منها؛ حتى أستطيع الالتحاق بالوظيفة الجديدة، فوافقت فوراً على الاستقالة، والالتحاق بالعمل الجديد دون التفكير بأي شيء، وقلت في نفسي: 'هذا عمل لله، لذلك يجب عليّ المسارعة لخدمة الدِّين، وإن كان على حساب وظيفتي أو أي شيء آخر'، مع العلم بأن راتبي أكبر بكثير من راتب العمل الجديد.

وصليت الاستخارة، ودعوت الله كثيراً قبل الاستقالة، ثم قدمت طلب استقالة من عملي، ولكنّ صدري صار مقبوضاً جداً جداً.

تمت الموافقة على طلب الاستقالة بسرعة وتيسير كبيرين، ولكن لم ينشرح صدري، ولا أعرف سبب هذا الانقباض رغم تيسُّر الاستقالة، وعلى العكس، ازددت همّاً وغمّاً، وفكرت بتفاصيل العمل الجديد، فوجدت أنها لا تناسب ظروفي، وأصبحت في حيرة شديدة، وشعرت بأنني أوقعت نفسي في ورطة كبيرة؛ فمن جهة فقدت وظيفتي ولن أستطيع استرجاعها، ومن جهة ألزمت نفسي بعمل لا يناسبني، وقد لا أستطيع القيام به على أكمل وجه يرضي الله.

صرت أقول في نفسي بأني مذنب لأني لم آخذ بالأسباب، ولم أفكر، وكأني كنت نائماً عندما فعلت ذلك.

أعرف أني تسرّعت كثيراً باتخاذ قرار الاستقالة، وقرار الموافقة على العمل الجديد، ولكن نيتي كانت لله، والآن أنا مضطر للالتحاق بالعمل الجديد، ولكني مقهور جداً، وحزين، وأغلب وقتي بكاء، وندم، ودعاء، وتضرع إلى الله بأن ينقذني، ويفرّج عني.

أشعر أحياناً بأن هذا التهوّر والتسرّع عقوبة من الله، وأحس أيضاً بأنه قد حبط عملي وبطل ثوابي حتى لو التحقت بالعمل الجديد بسبب ندمي وحزني.

فما نصيحتكم لي؟ وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ رامي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يكتب لك أجر نيتك، ويعوضك خيرًا، ويخرجك من الحيرة والندم إلى السكينة وحسن التدبير.

فالمشكلة في قصتك ليست أنك أردت خدمة الدين؛ فهذه نية صالحة نرجو أن تؤجر عليها، وإنما أنك ظننت أن العمل مع داعية، أو في مجال دعوي يجب أن يقدم بالضرورة على وظيفتك واستقرارك، وأن المسارعة إليه أقرب إلى الله ولو لم تدرس آثاره، وهذا المعنى يحتاج إلى تصحيح؛ فخدمة الدين أوسع كثيرًا من وظيفة دعوية بعينها، ولبيان الأمر نقول:

أولًا: لا تجعل ندمك الحالي يفسد عليك نيتك الماضية، وأنت حين اتخذت القرار أردت الخير وخدمة الدين، ولم تتعمد الإضرار بنفسك، ونرجو أن يكتب الله لك أجر نيتك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وكونك اكتشفت بعد ذلك أن القرار لم يكن مدروسًا لا يحول نيتك الصالحة إلى معصية.

ثانيًا: نعم، يظهر من كلامك أنك تسرعت في ترك الوظيفة قبل دراسة العمل الجديد دراسة كافية، وهذه تجربة ينبغي أن تتعلم منها، لكن الخطأ في التقدير لا يعني أن الله يعاقبك، أو أن عملك قد حبط؛ فلا تنتقل من الاعتراف بخطأ محدد: «لم أدرس القرار جيدًا» إلى حكم كبير: «الله عاقبني وأحبط عملي»، بل هذا قدر الله تعالى، ولعل الخير يكون فيه (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) آية في كتاب الله يجب عليك الإيمان بها والعمل.

ثالثًا: العمل في وظيفة حكومية مباحة، والكسب منها، والإنفاق على نفسك وأهلك ليس عملاً بعيدًا عن الله حتى تظن أن تركه تضحية لازمة للدين؛ فقد يكون بقاؤك في وظيفة مستقرة، مع قيامك بالدعوة، والقرآن، والبر، والنفع في وقتك المتاح أفضل لك من وظيفة تحمل اسمًا دعويًا لكنها لا تناسب قدراتك وظروفك؛ فالعبرة بطاعة الله في مجموع حياتك، لا باسم المؤسسة التي تعمل فيها.

رابعًا: الاستخارة لا تعني أن ما تيسر بعدها هو بالضرورة الخيار الذي يأمرك الله بالمضي فيه، ولا أن سرعة قبول الاستقالة علامة على أن الوظيفة الجديدة هي الخير؛
الاستخارة دعاء وتفويض، ثم يأخذ الإنسان بالأسباب، ويستشير، ويدرس المنافع والمفاسد، فلا تجعل «تيسير الاستقالة» رسالة غيبية يجب عليك تفسيرها.

خامسًا: كذلك انقباض صدرك بعد الاستخارة لا يعني وحده أن الله يقول لك إن القرار خطأ؛ قد يكون بسبب ظهور تفاصيل لم تنتبه إليها، أو الخوف الطبيعي بعد فقد وظيفة مستقرة، أو إدراكك حجم التغيير، فلا تبن حكمك على الانشراح والانقباض وحدهما، بل على الحقائق الواقعية.

سادسًا: لا تقل الآن: «أنا مضطر إلى العمل الجديد» قبل أن تتأكد؛ راجع الأمر بهدوء: هل التزامك معهم عقد ملزم بالفعل؟ هل يمكنك الاعتذار قبل البدء؟ هل يمكن تعديل طبيعة العمل أو ساعاته؟ هل تستطيع الرجوع عن الاستقالة، أو التقدم مستقبلاً لوظيفة أخرى؟ لا تحول قرارًا متسرعًا إلى قرار ثانٍ متسرع بحجة أنك أصبحت ملزماً به.

سابعًا: إذا كان العمل الجديد مباحًا، لكنه أقل راتبًا فقط، فهذا وحده لا يجعله سيئًا؛ فقد يختار الإنسان دخلاً أقل لمصلحة دينية، أو أسرية معتبرة، أما إذا كان لا يناسب ظروفك فعلاً، أو تخشى ألا تقوم بحقوقه، أو سيترتب عليه ضرر معتبر، فناقش ذلك بصراحة مع من عرض عليك الوظيفة؛ فالشخص الذي دعاك إلى خدمة الدين ينبغي أن يكون أول من يتفهم أنك لا تريد تحمل أمانة لا تستطيع أداءها.

ثامنًا: توقف عن إعادة مشهد الاستقالة في رأسك: لماذا فعلت؟ كيف لم أفكر؟ كأنني كنت نائمًا، لقد وقع القرار وانتهى، ولن تعيده كثرة الندم، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».

تاسعًا: حزنك بعد القرار لا يحبط ثواب العمل الصالح؛ فقد يبدأ الإنسان عملاً بنية صادقة ثم يجد فيه مشقة، أو يكتشف أنه لا يناسبه؛ فهذا لا يمحو تلقائيًا أجر ما صدق فيه، إحباط الأعمال له أسباب شرعية، وليس مجرد الندم على قرار وظيفي واحدًا منها.

وما وقع لك من فقد الوظيفة والحيرة بعد ذلك من الابتلاء، ولك في الصبر وحسن التصرف والاحتساب أجر -بإذن الله-؛ لكن لا تفسر الابتلاء بأنه غضب من الله؛ فقد يكون فيما حدث تعليم لك ألا تخلط مستقبلاً بين قوة النية وصحة القرار؛ فالنية الصالحة تحتاج معها إلى علم واستشارة ونظر في العواقب.

والآن لا نريد منك مزيدًا من البكاء على الوظيفة القديمة، بل ثلاثة أمور عملية:
أولاً: حاول معرفة إمكان الرجوع عن الاستقالة، أو العودة إلى جهة عملك دون أن تفترض استحالة ذلك.
وثانيًا: اجلس مع المسؤول عن الوظيفة الجديدة، واشرح له ظروفك، واسأل عن جميع التفاصيل قبل مباشرة العمل.
وثالثًا: إذا تعذر الأول، ولم يناسبك الثاني، فابدأ البحث عن وظيفة ثالثة؛ فالرزق لم يكن محصورًا في الوظيفة التي تركتها، ولا في الوظيفة الجديدة.

وأبق خدمة الدين في حياتك مهما كان مكان عملك؛ فأنت حافظ لكتاب الله، وبار بأمك كما ذكرت، ويمكنك أن تنفع الناس، وتعلم القرآن، وتخدم الدعوة، وأنت في وظيفة أخرى، وليس مطلوبًا منك أن تخسر استقرارك حتى تثبت لله صدقك؛ وإنما المطلوب أن تعبده حيث أقامك، وأن تتخذ قراراتك بعد ذلك بعقل واستخارة واستشارة.

نسأل الله أن يكتب لك أجر نيتك، ويغفر لك ما كان من تسرع، ويصرف عنك الندم والوساوس، ويرشدك إلى أصلح العملين لدينك ودنياك، ويفتح لك إن لم يكن فيهما الخير بابًا ثالثًا أوسع منهما، ويبارك لك في رزقك وقرآنك وبرك بأمك، ويجعلك مفتاحًا للخير حيثما كنت، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة