الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعيش في مشقة بسبب الجمع بين العمل والدراسة والبر بوالدي!

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أدرس في الجامعة، والحمد لله أعمل في الزرع مع أبي وإخوتي، وأتولى إطعام البهائم من الخضار الكثير الذي آتي به من الزرع، كما أعمل بالأجر عند غيرنا؛ لأصرف على نفسي، وأساعد بشيء في المنزل.

الجامعة وهذه الأعمال تأخذ مني جهدًا ووقتًا كثيرًا لا يستهان به، وإلى جانب ذلك أريد أن أتعلم ما يتيسر لي من أمور ديني؛ لأعبد ربي بما يرضى ويريد سبحانه، وأتصرف تصرفًا صحيحًا وفق شرع الله في شتى المواقف، وأعرف ما لي وما عليَّ؛ حتى أرضي الله، ولا أدخل النار، وتسهل حياتي وتنير.

لكن المشكلة أنه بجانب هذه الأمور والأعمال، يريد أبي وأخي الأكبر أن يصنعا الطوب عندنا؛ لكي يُباع ويكسبا ثمنه، مع أننا صنعنا طوبًا كثيرًا هذا العام وأحرقناه، ولم يُبع بعد، لكنهما أرادا أن يزيدا عليه؛ وهذا يزيد العبء عليَّ، خاصةً أن هذا العمل من أشق الأعمال في الريف عندنا، فلا يحسن أن يعمل أخواي الاثنان في معاجن الطين والطوب، وأنا لا أعمل معهما، فأصبحتُ أنزل في الطين بعد صلاة الفجر وأعمل، ثم أذهب إلى الجامعة، وبعد عودتي أعمل في الزرع حتى الليل؛ مما يشق عليَّ كثيرًا.

وكل هذا بسبب أبي -غفر الله له-، فقد كان يوقظني قبل الفجر لأذهب إلى الزرع وأقضي بعض الأعمال هناك، فأقول له: أصلي أولًا، فيقول لي: خذ ماءً وتوضأ في "الغيط"، مع إمكانية تأجيل هذه الأعمال، وقد يسهر هو في الزرع، أو يجلس فقط بين الزرع دون عمل، ثم ينام ولا يصلي الفجر في وقته، وحتى أخي الأكبر لا يصلي، ولا حتى صلاة الجمعة.

وأريد أن أستشيركم فيما ينبغي أن أفعله، علمًا بأنني أهتم بالزرع والبهائم، بخلاف أخي هذا الذي لا يسقي بهيمةً، ولا ينظف تحتها، ولا يسأل عنها.

كما أن لدينا جارًا فاجرًا يجاورنا في الزرع والبيت، وهو مجاهر بالفجور وسب الدين، وقد شقت عليَّ هذه الأمور، إلى جانب ضغوط أخرى كثيرة.

• هل يجب عليَّ أن أعمل مع أخويَّ في الطين والطوب، مع ما في ذلك من مشقة شديدة عليَّ، وأن أقوم في الليل للعمل أيضًا؟

• وهل يجوز لي أن أدعو الله أن يبيع جارنا أرضه الزراعية المجاورة لنا، وأن يشتريها رجل صالح لا تقع بينه وبيننا مشكلات، وأن ينتقل هذا الجار المجاهر بالفجور وسب الدين إلى مكان بعيد؟

• وهل يجوز لي أن أسأل الله أن يرزقني مالًا أستطيع به الانتقال من هذه البيئة، والانفصال في السكن عن أهلي، وشراء شقة خاصة بي، مع صلة الرحم بقدر استطاعتي؟

أرجو مساعدتي، وجزاكم الله خيرًا، فقد قال النبي ﷺ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك في برك بأبيك، وفي سعيك ودراستك، وأن يعينك على طلب العلم النافع، ويرزقك التوازن بين حقوق ربك وأهلك ونفسك.

الأخ الكريم، أنت تحمل في وقت واحد الدراسة الجامعية، والعمل لتحصيل نفقتك، وخدمة الزرع والبهائم، والمشاركة في شؤون البيت، ثم تريد نصيبًا من تعلم دينك، وأضيف إلى ذلك عمل الطوب الشاق، وهذه أعمال كثيرة.

والمشكلة ليست في خدمة أبيك أو العمل معه؛ فذلك من أبواب البر، وإنما في أن تبلغ كثرة الأعمال حدًّا تضيع معه الفرائض أو الدراسة، أو تنهك نفسك، ولذلك ننصحك بما يلي:

• أولًا: بر أبيك وطاعته في المعروف من أجل القربات، قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وما تقوم به من خدمة زرع الأسرة وبهائمها، ومساعدة أهل البيت، نرجو أن تؤجر عليه إذا احتسبته. فلا تنظر إلى هذه الساعات كلها على أنها وقت ضائع عن العبادة، فالعمل الحلال، وبر الوالدين، والقيام بمصالح الأسرة، قد تكون كلها عبادة بالنية الصالحة.

• ثانيًا: طاعة الأب لا تعني أن كل عمل يطلبه منك يصبح واجبًا عليك مهما بلغت المشقة، فإذا كنت تقوم بالفعل بنصيب كبير من أعمال الزرع والبهائم، وتعمل لتحصيل نفقتك، وتدرس في الجامعة، فلا يلزمك أن تحمل فوق ذلك من عمل الطوب ما يعجزك، أو يضر بدراستك أو صحتك، أو يؤدي إلى تضييع الواجبات، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

فلا تجعل موقفك: إما أن أعمل معهم في كل شيء، وإما أن أكون عاقًّا، بل ساعدهم بما تستطيع، وقل لأبيك بأدب: أنا معكم ولن أترككم، لكن عندي الجامعة، والزرع، والبهائم، والعمل الذي أنفق منه على نفسي، وأستطيع أن أعمل في الطوب وقتًا محددًا، ولا أستطيع أن أتحمل العمل كله.

• ثالثًا: الصلاة مقدمة على العمل، ولا ينبغي أن يؤخر الإنسان صلاة الفجر عن وقتها من أجل الزرع، أو الطوب، أو غيرهما، فإذا أمكن أن تصلي الفجر ثم تذهب إلى العمل فافعل، ولا تجعل استعجال العمل سببًا في تأخير الصلاة، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}.

وإذا ذهبت قبل الصلاة، وكان وقتها باقيًا، واستطعت أن تتوضأ وتصلي في مكان طاهر في الحقل في وقتها، فلا حرج، لكن لا تجعل العمل يزاحم الصلاة حتى تخرج عن وقتها.

• رابعًا: ما ذكرته عن أبيك وأخيك من التقصير في الصلاة أمر مؤلم، وخصوصًا ترك أخيك الصلاة والجمعة، فانصحهما بالرفق وفي الأوقات المناسبة، ولا تجعل نصيحتك مرتبطة بكل خلاف على العمل؛ حتى لا يفهما أنك تستخدم الصلاة في الخصومة.

وأنت اثبت على صلاتك مهما رأيت من تقصير غيرك، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}.

• خامسًا: لا تجعل طلب العلم حملًا إضافيًّا ضخمًا فوق كل هذه المسؤوليات، فأنت الآن تحتاج إلى العلم الذي تصح به عبادتك ومعاملتك، من عقيدة صحيحة، وفقه الطهارة والصلاة والصيام، وما تحتاجه في معاملاتك، مع ورد من القرآن.

واجعل لك نصف ساعة ثابتة كل يوم، فالقليل الدائم خير من برنامج كبير تنقطع عنه، وليس المطلوب أن تتفرغ للعلم حتى تكون عبدًا صالحًا، بل إن قيامك بواجباتك نفسها جزء من الدين الذي تتعلمه.

• سادسًا: جارك الذي ذكرت فجوره وسبه للدين أمره عظيم، ولا حرج أن تسأل الله أن يصرف عنكم شره، وأن يبعده عنكم، وأن يرزقكم بدلًا منه جارًا صالحًا، لكن الأفضل أن يكون دعاؤك بعيدًا عن الاعتداء، فتقول: "اللهم اكفنا شره، واهده، فإن لم يكن في هدايته خير لنا فاصرفه عنا، وارزقنا جوارًا صالحًا"، وإذا باع أرضه وانتقل من غير ظلم منك له، فهذا مما يجوز أن تتمناه إذا كان في بقائه أذى عليكم.

• سابعًا: يجوز لك أن تسأل الله مالًا حلالًا، ومسكنًا مستقلًّا، وبيئةً صالحةً، فهذا من خير الدنيا، وقد قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

والاستقلال بالسكن بعد قدرتك عليه ليس عقوقًا في ذاته، ما دمت لا تهجر والديك، ولا تضيع حقوقهما وحاجتهما، لكن لا تجعل رغبتك في الاستقلال ناتجة عن الغضب فقط، فأنت ما زلت طالبًا، والأولى أن تكمل دراستك، وتبني مصدر دخل ثابتًا، وتدخر ما تستطيع، ثم تستقل حين تصبح قادرًا دون أن تدخل نفسك في أزمة جديدة، وإذا استقللت، فابق قريبًا من أبيك وأمك، وصلهما، واخدمهما بقدر استطاعتك.

• ثامنًا: لا تحمل نفسك مسؤولية كل شيء لأن بعض إخوتك يقصرون، نعم، لا تقل: ما دام أخي لا يخدم فلن أخدم، ولكن كذلك لا تجعل تقصيره سببًا في أن تقوم أنت بعمل الجميع حتى تنهار، فلكل إنسان ما يستطيع، والله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

وما تمر به من كثرة المسؤوليات والمشقة من الابتلاء، وما تصبر عليه محتسبًا في بر أبيك، وخدمة أسرتك، والسعي في الحلال، فلك فيه أجر -بإذن الله-، لكن هذا لا يعني أن تستنزف نفسك حتى تفشل في الجامعة، أو تضيع صلاتك، أو تعجز عن بقية واجباتك، فالتوازن لا بد منه.

فرتب حياتك على هذا النحو: الصلاة أولًا، ثم الجامعة وما يحفظ مستقبلك، ثم نصيب معقول من خدمة الأسرة والزرع والبهائم، ثم عملك الذي تحتاج إليه، ومع ذلك وقت قليل ثابت للقرآن والعلم، أمَّا الأعمال الإضافية -كزيادة صناعة الطوب للتجارة- فساعد فيها بقدر طاقتك، ولا تحمل نفسك فوق وسعها.

نسأل الله أن يبارك في شبابك ووقتك، ويجزيك خيرًا على بر أبيك وخدمة أسرتك، ويهدي أباك وأخاك للمحافظة على الصلاة، ويوفقك في جامعتك وطلب العلم، ويرزقك مالًا حلالًا واسعًا، ومسكنًا صالحًا، وجارًا صالحًا، ويعينك على إعطاء كل ذي حق حقه دون إفراط أو تقصير، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً