الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحلم ببيت يقوم على المودة والرحمة بعد تجربة الانفصال

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد انفصلتُ عن زوجتي وأولادي، وأريد زوجةً تعيش معي في الحلوة والمرة؛ فالوحدة شعور قاتل، لا أملك في الدنيا سوى قلبي، وسأحاول جاهدًا أن أبدأ من جديد، لأقيم حياة تقوم على المودة والرحمة، وألا يغدر أحد الطرفين بالآخر يومًا بحجة واهية.

لا أريد إلَّا الحلال، وأنا خريج جامعة الأزهر، أتمنى أن تضعوا مشكلتي نصب أعينكم، وفقكم الله لما فيه الخير لنا ولأمتنا، يا رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو يوسف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي الكريم، نسأل الله تعالى أن يفرج همك، وأن ييسر أمرك، وأن يعوضك عما فات خيرًا، ونذكرك بأن تحتسب عند الله عز وجل كل ما أصابك من فقد الزوجة والأبناء، وعسى أن تكون مصيبتك في زواجك السابق من باب قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.

وأمَّا ما ذكرته من إحساس قاتل بالوحدة؛ فذلك أمر طبيعي، خاصة لمن جرب نعمة الزواج، فقد شرع الله سبحانه وتعالى الزواج لما فيه من السكن والسكينة، فالزواج آية من آيات عظمته، وغايته سكن النفوس، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

فالوحدة التي تعاني منها هي شعور جبل الله الإنسان على التوق إلى التحرر منه؛ لينعم الإنسان بالسكن والألفة، والزوجة الصالحة هي وعاء السكن الفطري للرجل.

لذلك ننصحك بالإقبال على الزواج، وعدم الخوف أو التردد، فالوعد الرباني صريح وواضح لكل من أراد العفاف والإحصان، مستعينًا بقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

فالتطلع إلى الحياة الطيبة مع النية الصادقة سيفتح لك الله به أبواب الرزق بفضله ورحمته، فعليك أن تتوكل على الله، وأن تحسن الظن به سبحانه وتعالى، وتنطلق للبحث عن زوجة جديدة، وكن على ثقة بأن الله لن يضيعك، وأن ما كتبه الله لك ستجده بإذن الله.

وننصحك بأن تختار بنتًا من بيت رجال صالحين، فإنه أحرى أن تكون بناتهم من صاحبات الدين والخلق، فالزواج في الإسلام يُبنى على المصاهرة، ولا يُبنى على مفهوم الشراكة كما هو الحال في الزواج عند غير المسلمين، لأن عقد الزواج الشرعي في الإسلام ينشئ رابطة مصاهرة بين أسرتين أو قبيلتين.

ويتجلى أثر هذه الرابطة في حماية الأسرة عند وقوع الخلاف بين الزوجين، فهي بمثابة مرجعية في حل الخلافات الأسرية، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}.

أمَّا بخصوص علاقتك بأبنائك، فاعلم أن الطلاق يقع بين الزوجين، ولا يقع بين الأب وأبنائه، فمهما افترقت الطرق بينك وبين أمهم، فإن رابطة الأبوة تبقى قائمة لا تنفصم؛ لأنها رابطة أنشأها الله تعالى، وجعل لها من الحقوق والواجبات ما لا يزول بالفراق.

فأبناؤك جزء منك، ومن صلبك، يحملون اسمك ودمك، وقد فطرك الله على محبتهم والشفقة عليهم، كما فطرهم على التعلق بأبيهم والحاجة إلى قربه وحنانه، ولذلك لا ينبغي أن تنظر إلى نفسك بعد الطلاق على أنك منفصل عن أبنائك، بل المنفصل هو عقد الزوجية فقط، أما الأبوة فتبقى باقية ما بقيت الحياة، وقد جعلك الله تعالى مسؤولًا عن أولادك، فقال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

من المهم أن تحافظ على لقاء أبنائك وزيارتهم بصورة منتظمة، وأن تخصص لهم أوقاتًا تجتمع بهم فيها، وتشاركهم مناسباتهم وأفراحهم واهتماماتهم، لأن حاجة الأبناء إلى أبيهم ليست حاجة مادية فحسب، بل حاجتهم إلى الحنان والتوجيه والقدوة لا تقل أهمية عن حاجتهم إلى الطعام والكساء.

كما ينبغي أن تحرص على ألا تجعل الخلاف بينك وبين والدتهم سببًا في إهمال الأبناء، أو البعد عنهم، أو إشعارهم بأنهم طرف في النزاع، فالابن ليس مسؤولًا عن الخلاف الواقع بين والديه، ومن حقه أن يحظى بمحبة أبيه ورعايته مهما كانت الظروف.

واعلم أن وجود الأبناء مع أمهم لا يقطع صلتهم بأبيهم، كما أن وجودهم مع أبيهم لا يقطع صلتهم بأمهم، بل قد يكونون في بعض المراحل مقيمين مع الأم، ثم يقيمون مع أبيهم إذا اقتضت مصلحتهم ذلك، أو إذا انتقلت الحضانة إليه وفق الأحكام الشرعية والنظامية.

وفي جميع الأحوال، تبقى مسؤولية الأب قائمة، وتبقى أبوته ثابتة لا يزيلها طلاق ولا فراق، وكلما أحسن الأب بعد الطلاق في رعاية أبنائه، وحفظ حقوقهم، وأشعرهم بحبه وقربه، كان ذلك من أعظم أسباب استقرارهم النفسي وحسن تربيتهم، ومن الأعمال التي يؤجر عليها عند الله تعالى، لأن النفقة عليهم ورعايتهم والإحسان إليهم من القربات والطاعات.

نسأل الله العلي القدير أن يرزقك الزوجة الصالحة التي تقر عينك، وأن يصلح أحوالكم، وأن يعينك على أداء حق أبنائك والقيام بمسؤوليتهم على الوجه الذي يرضيه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً