الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

منذ انفصال والدي عن أمي لم يتواصل معي أو يهتم لأمري، فهل أصله؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أبلغ من العمر 23 سنة، والداي مطلقان، وقد طلقت أمي وهي حامل بي، فربتني منذ ولادتي في بيت أهلها، وأنا ابنها الوحيد، ولم تتزوج بعد الطلاق.

نشأت بين جدي وجدتي وأخوالي وخالاتي، وقد تكفلوا بتربيتي ورعايتي، جزاهم الله خيرًا، أما والدي فلم تكن بيننا علاقة حقيقية منذ طفولتي؛ فلم يكن يزورني أو يتابع أحوالي، ولم يقم بالإنفاق عليَّ إلا نادرًا، وكانت والدتي وأهلها هم من تكفلوا بجميع شؤوني.

ومع مرور السنوات استمر الانقطاع بيننا، حتى إنني لم أنشأ على التواصل معه أو مع عائلته، وهو يسكن في قرية قريبة من قريتي، وقد نلتقي أحيانًا مصادفة دون أن يكون بيننا تواصل، كما أنني لا أعلم هل سيرحب بالتواصل معي إن بادرت إليه أم لا.

وأود أن أوضح أنني لا أحمل له حقدًا ولا أطلب منه شيئًا من أمور الدنيا، وإنما أخشى أن أقصر في حقه الشرعي أو أقع في العقوق.

لذلك أرجو بيان ما يجب عليَّ شرعًا تجاه والدي في هذه الحالة، وما الحد الأدنى من البر والصلة الذي تبرأ به ذمتي أمام الله تعالى، وهل يجب عليَّ أن أبدأ بالتواصل معه أو زيارته رغم هذا الانقطاع الطويل؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابننا الكريم- في استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

أولاً: أوصى الله تعالى بالوالدين فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]، وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أحب إلى الله -عز وجل-؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قلت: ثم أي؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» إلخ، متفق عليه، وفي حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» صحيح ابن حبان.

ثانياً: أنا مقدر ما ذكرت من إهمال لك في صغرك وطفولتك من قبل والدك، ولكن مهما كان فهذا ابتلاء من الله تعالى، فقد يبتلي الإنسان بأقرب الناس إليه، ولذلك عليك بالصبر الجميل لا سيما مع أبيك، ولا تنسَ أن الله تعالى قد أوصانا بالوالدين إحساناً، وعليك أيضًا بالبر لأمك التي صبرت عليك، والبر بجدك وجدتك الذين تربيت عندهم.

ثالثاً: حاول التغاضي عن إهمال أبيك لك في سابق الأيام، وابدأ معه صفحة جديدة، وبادر أنت بزيارته ولا تنتظر أن يبادرك هو، فهو أبوك في الأول والأخير. وحاول استرضاءه، وتقبيل رأسه ويديه، والتفاني في خدمته، وأصلح علاقتك بالله ثم بالوالد، والإنسان منا سيندم أشد الندم إذا رحل الوالدان أو أحدهما من هذه الدنيا، ومن أصلح ما بينه وبين الله؛ سيصلح الله ما بينه وبين الخلق.

رابعاً: الوالدان ليسا كغيرهما، فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما والإحسان إليهما ولو كانا كافرين مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما وصده عن الحق ورده من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]، فالمقصود من هذا كله بيان منزلة الوالدين وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد أو البنت الإساءة إلى الوالدين والسعي في إيذائهما، أو إلحاق الضرر بهما وإن أساءا إليك، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء.

والحد الأدنى لبر الوالد هو طاعته في المعروف، وعدم مخالفته فيما يأمر به من الخير، وتجنب إيذائه أو عقوقه بأي شكل من الأشكال، وعليك بالعفو عن والدك في ما قصر معك في سالف الأيام ولك الأجر العظيم.

وختاماً: أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد والبر بأبيك، وأن يرزقك الصبر، وأن يسعدك في الدنيا والآخرة، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً