الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل كل من أعطاه الله نعمًا ونجاحًا في الدنيا، سيخصم ذلك من رصيده في الآخرة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لديَّ سؤال، فقد سمعتُ من أحدهم أن الله إذا أعطى أحدًا في الحياة الدنيا مالًا، وعملًا، وشهرةً، وكل ما يشتهيه في الدنيا، حاسبه حسابًا عسيرًا في الآخرة، وأدخله النار. أنا -والحمد لله- تخرجتُ من المرحلة الثانوية بدرجةٍ عاليةٍ بفضل الله، وتمنيتُ دخول كليةٍ معينة، والحمد لله دخلتها، فهل معنى ذلك أن الله إذا أعطاني نعمًا في الدنيا فلن أدخل الجنة في الآخرة؟

أنا لا تهمني الدنيا، وإنما تهمني الآخرة، وقد دعوتُ الله وقلت: «يا رب، إن كان معنى رضاك عني أنني لن أحصل على الشيء الذي أتمناه، فلا أريده، وإنما أريد أن تكون راضيًا عني»، فهل معنى ذلك أن الله غير راضٍ عني؟ كما دعوتُ الله وقلت: «يا رب، أنا مستعدةٌ للتخلي عن حلمي، مقابل أن ترزقني زوجًا صالحًا»، فهل معنى ذلك أن الله لا يريد أن يرزقني زوجًا صالحًا؟

والله إنني أحاول أن أتقي الله قدر استطاعتي، ولديَّ ذنوبٌ كثيرة، وآمل من الله أن يعفو عني، وأنا أحاول وأجاهد نفسي، لكنني لا أعرف:

• هل يمكن أن يكون الله -عز وجل- غير راضٍ عني، ولا يريد أن يدخلني الجنة؟
• أشعر بأن قلبي لم يعد كما كان من قبل، وأشعر بأنني لم أعد أشعر بالذنب كما كنت، لكنني تركتُ الذنب الذي وجدتُ أنه يبعدني عن الله، فهل يدل ذلك على سوء حالي؟
• أريد أن أعود كما كنتُ من قبل، وأن يعود قلبي كما كان، وأن أشعر بالذنب حتى تجاه صغائر الأمور، فماذا أفعل؟
• أنا خائفةٌ من أن يكون الله غير راضٍ عني، وألَّا يحقق لي ما أتمناه، مع أن كل أمنيتي أن يرضى عني ويدخلني الجنة.

وأحيانًا أفكر وأقول: هل يمكن أن يكفِّر الله عني ذنوبي بابتلائي في زوجي؟ فكل ما أريده أن يتقي الله فيَّ، وأن يكون زوجًا صالحًا لي ولأولادي.

شكرًا لاستماعكم إليَّ، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.

بدايةً، نسأل الله أن يثبتكِ على السعي لرضا الله تعالى وطلب جنته؛ فهذا هو الفوز العظيم؛ قال تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}. والسعي للجنة ليس بالتمني والرجاء فقط، بل لا بد أن يلازمه العمل والإخلاص لله تعالى، وحسن التوحيد، والابتعاد عما نهى الله عنه، والتوبة المستمرة عند الوقوع في الذنب.

أختي الكريمة، ليس صحيحًا أن من أعطاه الله مالاً ونجاحًا وعملاً وشهرةً وتحقيقًا لبعض أمنياته في الدنيا؛ فمعنى ذلكَ أنه سيحاسب حسابًا عسيرًا ويدخل النار، وإنما المعيار الصحيح هو الإيمان والعمل الصالح.

فمن أعطاه الله مالاً وشهرةً ومكانةً، فاتقى الله في ماله، وأنفقه في أبواب الخير، واستخدم شهرته فيما ينفع الناس، ويخدم دينه، ويبني القيم والأخلاق الحسنة؛ كانت هذه النعم في حقه خيرًا وفضلاً يحتاج إلى شكر الله عليها، وشكر النعم يكون بتسخيرها فيما يرضي الله تعالى.

وكذلكَ إذا وجد الإنسان توفيقًا من الله في حياته واستجابةً لبعض دعواته؛ فهي نعمٌ وفضلٌ من الله، وعليه أن يقابلها بالمزيد من الشكر والحمد والاستقامة، أمَّا إذا استخدم هذه النعم في معصية الله، وجعل ما أعطاه الله من التوفيق طريقًا للفساد والإفساد؛ فلا شك أنه محاسبٌ بين يدي الله على ذنوبه وتقصيره.

أختي الكريمة، أوصيكِ أن تكوني حسنة الظن بالله تعالى؛ فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ»، وحسن الظن بالله يكون مع العمل الصالح؛ فيجتهد العبد في الطاعة، ويحسن الظن بأن الله سيقبل منه ويجزيه خيرًا، أما حسن الظن مع ترك العمل فهو مجرد تمنٍّ.

ولذلكَ، اعملي الخير، واجتهدي في الصالحات، وإصلاح نفسكِ وتزكيتها، وليكن في قلبكِ حسن الظن بالله، وأنه سيتقبل منكِ ويجزيكِ برحمته وفضله في الدنيا والآخرة.

أما الخوف الشديد من عدم القبول فقد يقود صاحبه إلى القنوط من رحمة الله، وهذا من مداخل الشيطان ووسوسته، بل يسعى الإنسان في إصلاح نفسه، ويبذل ما يستطيع في اكتساب الحسنات، والابتعاد عن السيئات، ويتعلم العلم الذي يحميه من مفسدات الأعمال، ثم يترك الأمر لله تعالى؛ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

وأخيرًا أختي الفاضلة، تأخير إجابة الدعاء ليس دليلًا على أن الله لم يستجب له؛ فقد قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ؛ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا»، فالله تعالى يجيب الدعاء بحكمته وعلمه، وفي الوقت الذي يكون فيه الخير للعبد؛ فلا تستعجلي الإجابة، ولا تيأسي ما دام الدعاء مشروعًا.

ولذلكَ، ادعي الله أن يرزقكِ الزوج الصالح، وأحسني الظن بالله، وابدئي في بناء نفسكِ، والإكثار من الأعمال الصالحة التي ترتقي بروحكِ، ولا تتخلي عن حلمكِ ظنًّا أن رضا الله يتطلب منكِ خسارة ما تحبين، ولكن اسألي الله الخير أينما كان وكيفما كان، وثقي بأن اختيار الله لكِ خيرٌ من اختياركِ لنفسكِ.

وفقكِ الله ويسر أمركِ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً