الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابني لديه مشكلة في الاستيعاب، فماذا أفعل ليشفى من هذه المشكلة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي ابنٌ في العاشرة من العمر، لديه مشكلةٌ في الاستيعاب وربط المعلومات مع بعضها، أسعى لتخفيف الإلكترونيات وتحسين الغذاء، لكن سؤالي من ناحيةٍ دينيةٍ روحانيةٍ: ماذا أفعل ليشفى من هذه المشاكل ويصبح أفضلَ تركيزاً، وذاكرةً، وتواصلاً مع الآخرين، واستيعاباً؟ مثلاً: الصدقة، الدعاء، وماذا أيضاً؟ وما هي الأدعية التي يُفضل أن أدعو بها؟

أرجو إفادتي، وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سالي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

الأخت الكريمة، نشكركِ على حرصكِ على ابنكِ، واهتمامكِ بصحته وتطوره، وطلبكِ الاستشارة من موقع إسلام ويب؛ فهذا يدل على وعيكِ، ومسؤوليتكِ، ورغبتكِ في الأخذ بالأسباب النافعة، ونسأل الله أن يحفظ ابنكِ، ويمنَّ عليه بالصحة والعافية، وأن يقرَّ عينكِ بصلاحه وتقدمه.

ما ذكرتِه من أن ابنكِ في العاشرة يجد صعوبةً في الاستيعاب وربط المعلومات بعضها ببعضٍ؛ قد يندرج بصورةٍ عامةٍ تحت صعوبات التعلم، أو ضعف بعض المهارات المعرفية والتنفيذية؛ مثل الانتباه، والذاكرة العاملة، وتنظيم المعلومات، وسرعة معالجتها، ولكن لا يمكن تحديد السبب أو تشخيص الحالة من خلال هذه الأعراض وحدها، فقد تكون الصعوبة مرتبطةً بنمو بعض المهارات، أو بطريقة التعلم، أو بضعف الانتباه، أو بوجود صعوبات تعلمٍ محددةٍ، وقد ترتبط أحيانًا بعوامل صحيةٍ أو نفسيةٍ أو نمائيةٍ أخرى.

ومن المهم التأكيد على أن ضعف الاستيعاب، أو بطء ربط المعلومات لا يعني بالضرورة ضعف الذكاء؛ فكثيرٌ من الأطفال يحتاجون إلى وقتٍ أطول، أو شرحٍ مبسطٍ، أو تكرارٍ، أو وسائل تعليميةٍ مختلفةٍ حتى يتمكنوا من الفهم والتذكر، كما أن المقارنة المستمرة بالأقران قد تزيد قلق الطفل وتضعف ثقته بنفسه؛ ولذلك ينبغي التركيز على تقدمه هو، وتشجيعه على كل تحسنٍ يحققه، بدل وصفه بأنه ضعيفٌ أو قليل الفهم.

وأحسنتِ في سعيكِ إلى تقليل استخدام الأجهزة الإلكترونية وتحسين الغذاء؛ فتنظيم وقت الشاشات، والنوم الكافي، والغذاء المتوازن، والنشاط البدني، كلها أمورٌ قد تساعد على تحسين الانتباه والصحة العامة، ولكن لا ينبغي الاكتفاء بها باعتبارها علاجًا للمشكلة؛ لأن بعض صعوبات التركيز والاستيعاب قد تكون لها أسبابٌ صحيةٌ أو نمائيةٌ تحتاج إلى تقييمٍ متخصصٍ.

ولذلك يُستحسن عرضه على طبيب أطفالٍ أو طبيبٍ متخصصٍ في نمو وتطور الطفل، وقد يحتاج إلى تقييم السمع، والبصر، والنوم، والانتباه، والمهارات التعليمية، مع الاستعانة بأخصائيٍّ نفسيٍّ أو أخصائي صعوبات تعلمٍ إذا رأى الطبيب ذلك مناسبًا؛ فهذا التقييم يساعد على معرفة قدراته واحتياجاته، ووضع خطةٍ تعليميةٍ وعلاجيةٍ ملائمةٍ، بدل الاعتماد على التخمين.

ويمكنكِ في المنزل دعمه بوسائل بسيطةٍ قابلةٍ للتنفيذ؛ كأن تقسِّمي الواجب أو المعلومة إلى أجزاءٍ قصيرةٍ، وتشرحيها بأمثلةٍ وصورٍ، وتطلبي منه أن يعيد الفكرة بأسلوبه، وتربطي المعلومات الجديدة بما يعرفه سابقًا، ومن المفيد تخصيص وقتٍ ثابتٍ للدراسة في مكانٍ هادئٍ، مع فواصل قصيرةٍ للحركة والراحة، وتقليل المشتتات، والابتعاد عن توبيخه عند الخطأ.

واحرصي على نومه المنتظم، وممارسته اللعب والرياضة، وتوفير فرصٍ للتواصل مع الأطفال من أقرانه في بيئةٍ آمنةٍ لتنمية مهاراته الاجتماعية والحياتية، وكذلك متابعة مستواه مع المدرسة؛ لمعرفة المواد أو المهارات التي يواجه فيها صعوبةً، والتعاون مع المعلمين على تكييف طريقة الشرح والتقييم بما يناسبه.

وإذا لاحظتِ أنه ينسى التعليمات بسرعةٍ، أو يتشتت بصورةٍ واضحةٍ، أو يعاني صعوبةً مستمرةً في القراءة أو الكتابة أو الحساب، أو يتأثر أداؤه الدراسي وعلاقاته بسبب ذلكَ؛ فهذه مؤشراتٌ إضافيةٌ تؤكد أهمية التقييم المتخصص، أما إذا ظهرت تغيراتٌ مفاجئةٌ في قدراته، أو صداعٌ متكررٌ، أو اضطرابٌ في النوم، أو أعراضٌ صحيةٌ أخرى؛ فينبغي مراجعة الطبيب دون تأخيرٍ.

وبخصوص سؤالكِ عن الجانب الديني والروحي، وما يمكن فعله من صدقةٍ ودعاءٍ وأذكارٍ؛ فنحيل الإجابة عن هذا الجانب إلى فضيلة الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، ليتفضل بالإجابة عنه بما يناسب سؤالكِ، مع التأكيد أن الدعاء والصدقة من الأعمال الصالحة، وأن التوكل على الله لا يتعارض مع مراجعة الأطباء والمتخصصين والأخذ بالأسباب العلاجية.

نسأل الله لك الصحة والعافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الدكتور/ إبراهيم أحمد عطية (استشاري نفسي اجتماعي)
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.

قد أفادكِ الأخ الفاضل الدكتور إبراهيم بنصائح قيمةٍ جدًّا من الناحية السلوكية التربوية، ونسأل الله تعالى أن ينفعكِ بها، وأن يبارك لكِ في هذا الولد، ويُقِرَّ عينكِ به.

ونشكر لكِ -أختنا الكريمة- اعتناءكِ البالغ بولدكِ، وإعانته في ما يحتاج إليه، وهذا الجهد الذي تبذلينه مدخرٌ لكِ عند الله تعالى؛ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وقد قال سبحانه: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}.

ومن المهم جدًّا -أيتها الاخت العزيزة- أن تتأمَّلي جيدًا النصائح القيمة التي أشار إليها الدكتور إبراهيم في كيفية التعامل مع ولدكِ؛ فهذا السلوك الذي يُعزِّز ثقته بنفسه من خلال تعاملكِ معه هو من أعظم الأسباب في بناء شخصيته، وتزويده بالقوة والثقة بالنفس.

ونزيدكِ من الناحية الشرعية كلماتٍ ينفعكِ الله تعالى بها؛ فنقول بدايةً: الشرع يحث على الأخذ بالأسباب والتداوي؛ فإن الله تعالى قدَّر المقادير بأسبابها، وقدَّر أن تتدافع الأقدار، كما قال عمر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-: "نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله".

والرسول ﷺ يقول: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً»، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ»؛ فهذه الأسباب ينبغي الاعتناء بها، سواء كانت أسبابًا ماديةً أو أسبابًا روحيةً معنويةً، فقد أحسنتِ حين أدركتِ أن الصدقة والدعاء من الأسباب في تحسن الأحوال، وزوال المكروهات؛ فإن الصدقة تطفئ غضب الرب، ويدفع الله تعالى بها عن الإنسان المهالك، وقد وردت بذلك أحاديث كثيرةٌ؛ كما جاء في الحديث: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ».

والدعاء من أعظم الأسباب في الوصول إلى النتائج المحبوبة المرغوبة؛ فأكثري من دعاء الله تعالى، وزيدي على ذلك تخصيص الاستغفار؛ فالاستغفار من أعظم الأسباب في تحصيل الأرزاق الحسنة، كما أرشد إلى ذلك القران العظيم، وكثيرٌ من أحاديث الرسول الكريم ﷺ.

والدعاء مفوضٌ إليكِ أنتِ في اختيار ألفاظه؛ فالإنسان يدعو الله تعالى بما يريده من ربه، وقد جاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ»، ومعنى ذلك أن كل واحدٍ مِنَّا له حاجاته الخاصة، بجانب الحاجات العامة التي نسأل ربنا إياها مساءً وصباحًا؛ من إصلاح الدين، وإصلاح الدنيا، وإصلاح الآخرة، ومغفرة الذنوب، والشفاء من الأسقام والأمراض.

لكن كلما كان الإنسان حاضر القلب في المسألة التي يسألها ربه؛ كلما جمع ذلك قلبه على ربه، وكان ذلك سببًا في قبول دعائه.

فاسألي الله تعالى أن يحسن حال ولدكِ، وأن يُعينه على مصالحه، وأن يُيَسِّر له أمره، ونحو ذلك من الأدعية، وأن يزيل عنه كل مكروهٍ، وأن يصرف عنه الشرور؛ فاسألي الله تعالى بلسانكِ أنتِ ما تريدينه من ربكِ مع الاعتناء بالدعوات الجامعة.

ومن الأسباب الشرعية الأخذ بأسباب التداوي المادية؛ إذا كانت هذه الحالة من الحالات التي ينصح الأطباء فيها بسلوكياتٍ معينةٍ، أو تناول مغذياتٍ معينةٍ، وأطعمةٍ معينةٍ، ونحو ذلكَ؛ فهذه من الأسباب الشرعية التي ينبغي الاعتناء بها.

وبالجملة -أيتها الاخت الكريمة- حسِّني ظنّكِ بالله تعالى، واعلمي أنه سبحانه لا يُقدِّر المقادير عبثًا؛ فإنه لا يفعل إلَّا لحكمةٍ، وما قدره الله تعالى لكِ ولولدكِ فيه الحكمة الكاملة البالغة، وفيه اللطف الإلهي، وهو أعلم -سبحانه وتعالى- بما يصلحنا، وهو أرحم بنا من أنفسنا؛ فلا يُقدِّر لنا إلَّا ما فيه الخير، ولا ندري أحيانًا وجه الخير في القدر الذي يُقدِّره الله؛ فربما كان في هذا التقدير ما يُعلِّق قلوبكما بالله تعالى، ويديم مناجاته -سبحانه وتعالى-، ويديم الاعتماد عليه، فيكون في ذلك صلاح دينكم ودنياكم، ولولا هذا لربما أصيب الإنسان بشيءٍ من الغفلة والفتور؛ فيريد الله تعالى أن يسوقه إلى الخيرات، فيُقدِّر له من الأقدار ما يعينه على ذلكَ؛ فأحسني ظنكِ بالله تعالى، واعلمي أنه جوادٌ كريمٌ، وأمِّلي فيه الخير وستجدينه -بإذن الله تعالى-.

نسأل الله أن يُقدِّر لنا ولكم كل خيرٍ، وأن يصرف عنا وعنكم كل سوءٍ ومكروهٍ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً