الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التخيلات والأفكار تفقدني التركيز .. ما السبيل إلى إيقافها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أعاني من التفكير المفرط؛ بمعنى أنني لا أستطيع التحكُّم في أفكاري، أحياناً أتشتت من فكرة إلى أخرى دون أن أشعر، فإن كنتُ حزينة -مثلًا- أنسى الحزن، وأتشتت بأفكار أخرى تهجم على تفكيري، وكثيرًا ما يصعب عليَّ التركيز.

وأحيانًا كثيرة أقع في تخيل السيناريوهات والمواقف، وكذلك التخيلات الجنسية -التي كثيرًا ما تهجم عليَّ لأتفه الأسباب-، فما سببها؟ وكيف السبيل إلى إيقاف هذه التخيلات، والتخلص من كل هذا التشتت؟

كثيرًا جدًّا ما أقع في هذه التخيلات، وتقريبًا لا يخلو يومي منها، حتى وإن كنتُ لا أريدها، وأبسط الأشياء أو المواقف تحفزها، ولكنها بدأت معي منذ الطفولة بسبب التنمر على شكلي، فأخذتُ قرارًا -وأنا طفلة- بعدم الزواج عندما أكبر؛ لأنه ليس هناك من يرغب في الزواج بفتاة شكلها سيئ ويكون صالح النية، وأنني إذا احتجتُ إلى الزواج فسأعوضه بهذه الخيالات، وقد فكرتُ في ذلك منذ أن كنتُ طفلة!

ولكن عندما كبرتُ علمتُ أن ذلك ذنب، وأن التفكير بهذه الأفكار أو الاسترسال معها ليس شيئًا طبيعيًّا، وأنها بعيدة عن العفة والعقل، وأنها بالفعل تؤثر على سلوكي وأفكاري سلبًا، وكأن الدنيا ليس فيها إلَّا هذه الأشياء الدنيئة، ولكنني أحيانًا أعتقد أن شكلي جميل، وأحيانًا لا.

لا أعلم ما السبيل إلى الخلاص من تلك الأفكار وإيقافها؛ فهي تأتيني في كل وقت تقريبًا، وخاصة في وقت الفراغ، ولا أستطيع أن أشغل نفسي دائمًا؛ فأنا أحتاج إلى الراحة، ولكن عندما أحاول أن أرتاح أحيانًا يبدأ دماغي بالتفكير، ولا أعلم ماذا عليَّ أن أفعل، حتى إنني أتشتت بمثل هذه الأفكار، أو بغيرها من التخيلات؛ كتخيل مواقف مع شباب وبنات -كالمزاح مثلًا-، أو تخيل حوار عن كثير من أمور حياتي -كمحاضراتي مثلًا-، ولا أستطيع التمييز بين ما هو طبيعي منها وما هو غير طبيعي.

أرجو أن توضحوا لي هذا الأمر، وتشرحوا لي ما السبيل إلى التخلص من التشتت، والتخلص من هذه الأفكار بالذات.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ .... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يعينكِ على تجاوز هذه المشكلة الحالية، ويوفقكِ لما يحبه ويرضاه.

أولًا: نقول لكِ: إن الأفكار التي سيطرت على ذهنكِ ربما تكون نوعًا من الوساوس التي ارتبطت بموضوع النظر إلى الشكل، أما التخيلات والتصورات التي اعتدتِ عليها؛ فهي استجابةٌ لهذه الوساوس.

ثانيًا: هذه التخيلات والتصورات وجدت طريقها إلى ذهنكِ؛ ربما بسبب الإحباط واليأس من أن شكلَكِ ليس جميلاً، ولن يتقدم لك أحد للزواج، وهذه افتراضاتٌ لا أساس لها من الصحة؛ بدليل أنكِ أحيانًا ترين نفسكِ جميلةً.

ثالثاً: إن الجمال شيءٌ نسبيٌّ؛ أي ما يراه بعض الناس جميلًا يراه آخرون قبيحًا، والعكس صحيحٌ، ومن حكمة الله تعالى في خلقه أن جعلهم مختلفين في الأشكال واللغات، وكذلك في الأمزجة، وكما يقال: "لولا اختلاف الآراء لبارت السلع"، والحديث المشهور والمعروف عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ قال: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».

فالدين هو المحك الأساسي الذي يؤدي إلى استمرار الحياة الزوجية وسعادة الزوجين، فأنتِ لا شك أنكِ تتمتعين بصفات تعجب كثيرًا من الشباب الذين يبحثون عنها، وشكل الإنسان قد يتغيَّر بمرور الزمن؛ فالصورة الذهنية التي وضعتِها لنفسكِ منذ الطفولة ليست هي الصورة الحالية، ولكن بسبب التنمر الذي تعرضتِ له من بعض الناس؛ حكمتِ على نفسكِ بحكم قد لا يكون عادلًا؛ لأن التقييم كان من قِبل فئة معينة لهم معايير ومقاييس مختلفة، فالإنسان لا يُقاس بشكله فقط، وإنما بأخلاقه وقيمه التي يحملها، وبنجاحاته في الحياة، وتحمل مسؤولياتها وأعبائها، وبعض الناس الأصل عندهم الاستهزاء بالآخرين، حتى لو رأوا شيئاً جميلاً عابوه، فلا تتركي لهم الحكم، وكوني واثقة من نفسك.

أيتها الفاضلة: ما زالت الفرص أمامكِ كثيرة لإثبات وجودكِ في محاور مختلفة، فاطردي عنك اليأس والقنوط، وتفاءلي خيرًا، وانظري إلى ما هو إيجابي في شخصيتكِ، فإشباع عاطفة الحب وغريزة الجنس لا يمكن أن يتحقق بالتخيلات والتصورات، وإنما بمواجهة الواقع، والسعي بالطرق السليمة المشروعة دينيًّا، والالتزام بالعفة، وستكون النتيجة -إن شاء الله- أن يغنيكِ الله تعالى بفضله، وتتحقق السكينة والمودة -إن شاء الله- بالزواج الشرعي الذي يحصنكِ ويحفظكِ من كل ما هو مذموم ومرفوض.

نوصيكِ بكثرة الاستغفار؛ فإن الاستغفار مفتاح للفرج، وليكن همّكِ الأول هو التركيز على الدراسة، وهدفكِ هو التميز والتخرج بتفوق، وحاولي ملء الفراغ بما هو مفيد ومثمر، وتجاهلي أي فكرة في الوقت الحاضر تقودكِ إلى تلك التصورات وتلك التخيلات.

وإذا ألحَّت عليكِ الفكرة السيئة؛ فاكتبيها في ورقة، وقولي لنفسكِ: "سأناقش هذه الفكرة يوم كذا، وقت كذا"، وعندما يأتي الوقت المحدد؛ تعاملي معها بمبدأ الواقع، واسألي نفسكِ: "ما الفوائد وما المضار إذا استجبتِ لهذه الأفكار من الناحية الدينية والاجتماعية والنفسية؟ وما المآلات في المستقبل؟"، وبالتالي ستصلين إلى قناعات شخصية بعدم جدوى الفكرة القبيحة أو السيئة، وسينشغل ذهنكِ ببدائل تبعث فيكِ روح الأمل والاطمئنان والسكينة والرضا، وتعينكِ على كبح جماح النفس.

أخيرًا، نسأل الله تعالى أن يُغنيكِ بفضله عمَّن سواه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً