الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتعامل مع زوج يفرض عليّ قيودا ويسهر خارج المنزل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا زوجة وأم لأطفال، وأطلب من حضراتكم تحليلًا دقيقًا لشخصية زوجي وتوجيهًا واضحًا لكيفية التعامل معه، وهل أستمر في هذه العلاقة أم لا؟

زوجي رجل متقلب ويعيش ازدواجية شديدة؛ فهو في العمل ومع إخوته ومحيطه الخارجي يوصف بأنه رجل عادل، ويقول الحق ولو كان على نفسه، كما أنه مسؤول وملتزم جدًا بالمصاريف، وتأمين الاحتياجات المادية لبيته وأولاده بسخاء، لكنه يمتلك بعض الطباع القديمة والعناد المتجذر فيه منذ أن كان يعيش مع أهله.

اللسان المؤذي والعصبية الحادة: يملك لسانًا جارحًا ومؤذيًا لي وللأولاد، كما أن مزاجه متقلب إلى درجة أننا لا نأمن معها ردَّة فعله، وهو كثير السهر، وخلال ساعات سهره الطويلة يمسك الجوال باستمرار، وعندما أسأله ماذا يفعل يقول: "أنا والشباب ندردش"، وكنت أصدقه، ومع مرور الأيام بدأت أستيقظ من النوم لأرى ما يفعله، وفي أحد الأيام رأيته في مكالمة فيديو صامتة، ولم تكن مع امرأة بل مع شاب، وفي يوم آخر دخلت عليه فوجدته أيضًا في مكالمة فيديو، وكان بيده خيار ويمثل به أمورًا لا أستطيع شرحها.


تكلمت معه ونصحته أن يتقي الله، فكان يحلف ويقول إنه لا يفعل شيئًا يغضب الله، وينكر كل شيء، ويجعلني أنا المتوهمة، ويقلب الطاولة عليَّ.

وفي يوم جلست معه وهددته بأنه إذا استمر في هذا السهر فسأغادر المنزل، فأصبح يسهر خارج المنزل في السيارة، وإذا دخل البيت واصل الكتابة خفيةً عني حتى لا أكتشف الأمر، لكنني اكتشفته.

وإذا واجهته بخطئه أو بمحاولاته استغفالي وإخفاء الأمور عني، يرفض الاعتراف تمامًا، ويقلب الحقائق، ويمثل دور المظلوم، ويتمسك بكلامي ليقول إنني المخطئة وأن ما أراه مجرد أوهام، وكأنه يحاول تبرئة نفسه من أي ذنب، كما أنه تهرب من الحلف على المصحف.

العلاقة الزوجية: أحيانًا يهجر العلاقة الزوجية أيامًا أو أسابيع، وقد يمتد الأمر إلى شهر كامل، وعندما يقترب مني يكون الأمر وكأنه حق له فقط يجب أن يمارسه متى أراد، دون مراعاة لمشاعري أو احتياجاتي.

الحصار والتحكم: يفرض عليَّ قيودًا شديدة، ويمنعني من الدراسة أو العمل، ويرفض تعليمي قيادة السيارة، ولا يسمح لي بالخروج إلى السوق بمفردي، بل يصر على أن يكون معي دائمًا.

العناد العقابي والاستفزاز: يمارس الصمت العقابي والتجاهل، ويحاول إبعادي عن كثير من الأمور المتعلقة بالأطفال، مثل الذهاب لشراء مستلزمات المدرسة أو المشاركة في بعض شؤونهم.

أنا حاليًا أطبق أسلوب البرود واللامبالاة الرسمية، وكأننا مجرد شريكين في السكن، وقد بدأت أتعب نفسيًا من هذا الاستنزاف المستمر، ولا أستطيع الخروج أو اتخاذ قرارات مستقلة لعدم وجود دخل مادي خاص بي.

مع العلم أن والدي متوفى، وكذلك والده، ولا يوجد شخص حكيم وواعٍ يمكنني اللجوء إليه من عائلتي أو عائلته.

كيف أتعامل معه؟ وهل استمراري في هذا البيت صحيح في ظل ما يفعله؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -بنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يرحم أمواتكم، وأمواتنا، وأموات المسلمين، ونبشركِ بأنكِ في مقام بناتنا، ونحن لكِ كالآباء، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكم على تجاوز هذه الصعاب، وأن يهدي هذا الزوج لأحسن الأخلاق والأعمال؛ فإنه لا يهدي لأحسنها إلَّا هو.

هذا الرجل الذي أشرتِ إلى أنه يقوم بالتزاماته كاملة تجاه أبنائه؛ ينبغي إذا ذكرتِ السلبيات أن تضخمي وتذكري هذه الإيجابيات، وهي من الأمور المهمة، ونتمنى أيضًا أن يكون ممَّن يصلي ويسجد لله تبارك وتعالى، ويتعظ ويتذكَّر إذا ذُكِّر، ولعلَّ هذا واضح، خاصة من تهربه من الحلف على المصحف.

نحن بلا شك لا نؤيد الخطأ الذي يحدث منه؛ لأن في هذا الذي يحدث مخالفة لشرع الله تبارك وتعالى، تكبر هذه المخالفة أو تصغر، هي في النهاية معصية، نحن لا ننظر إلى صغر الخطيئة، ولكن المؤمن ينبغي أن ينظر إلى عظمة العظيم الذي يعصيه سبحانه وتعالى.

وعليه؛ نحن نرجوكِ أن تنتبهي لما يلي:
• أولًا: الدعاء لنفسكِ ولهذا الرجل.
• ثانيًا: الستر على هذه الأفعال، وعدم ذكرها أو مناقشتها أمام الأبناء؛ حتى لا تحطموا نفسيات الأبناء، وتدمروا مستقبلهم بمثل هذا النقاش العقيم.

• ثالثًا: ننصحكِ بالقرب منه، والحرص على أن تتعاوني معه على البر والتقوى، وتجتهدي في حسن التعامل معه، لا تجعليه متهمًا، ولا تحاولي كثرة التجسس عليه، خاصة بعد أن ظهر لكِ الخلل والمرض، والطبيب دائمًا بعد أن يظهر المرض يبدأ العلاج، ومن العلاج: القرب منه، والدخول إلى حياته، والمواضيع التي لا يحب الحديث عنها لا تفتحي أبوابها؛ حتى لا يقسو ويسيء، كما يظهر من حاله.

ونحن نؤكد أن الأمر ليس سهلًا، ولكن العاقلة مثلكِ ينبغي في مثل هذه الأحوال:
• أولًا: أن تحتسب في إصلاح زوجها، وتغتنم وتنتظر بشارة النبي ﷺ: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، فكيف إذا كان هذا الرجل هو الزوج وأبا العيال؟

• وأيضًا كونه يقول: "أنا لا أفعل شيئًا يغضب الله"، وينكر؛ فهذا أفضل ممن يقول: "أنا أعمل، وغصبًا عنكم، وهذا إذا أعجبكِ"، فلا تزال بقية الخير موجودة في نفسه.

ولذلك الذي يقول: "لا أفعل شيئًا يغضب الله"، ويمتنع من الحلف على المصحف، ويحاول أيضًا أن يُخفي هذه الأشياء التي يفعلها؛ دورنا أن نذكِّره بأن الله لا تخفى عليه خافية، ولكن هذا أفضل من المجاهرة بالمعصية.

وأرجو أن تتواصلي معنا، وتشجعي تواصله مع الموقع، ونحن نحتاج إلى أن نعرف سبب رفضه للخروج معه للمتجر، مع أن الواضح أنه يُوفّر الاحتياجات، وممارسته للصمت والتجاهل: هل هذا في الحالات التي يناقش فيها، أم هذا ديدن له؟

ونشعر أنكم أيضًا قضيتم سنوات، فهل يا ترى كانت الحياة جميلة ثم تغيرت بعد ذلك، أم هذه الصفات الموجودة كانت موجودة منذ بداية الأمر؟

نحتاج إلى مزيد من التوضيح لهذه التساؤلات، ولكن الذي نوصيكِ به: الدعاء، والصبر، وحسن التعامل معه، والقيام بما عليكِ؛ فلا يحملكِ تقصيره على التقصير، كذلك نوصيك بالقرب منه، والاشتراك معه في برامج ومشاهدات طيبة، والدخول إلى عالمه، والسؤال عن أعماله؛ يعني تغيرين طريقة التعامل معه بما يرضي الله.

واعلمي أن تقصير الزوج يحاسبه عليه الله، فلا تقصري وإن قصر؛ لأن العلاقة الزوجية عبادة لرب البرية، والذي يجازي المحسن من الزوجين هو الله، والذي يسائل المقصر هو الله تبارك وتعالى.

وعمومًا: نحن لا نؤيد الاستعجال بترك البيت، أو الذهاب لخيار الطلاق؛ لأن هذا فيه دمار وضياع، ونسأل الله أن يجمع بينكم في الخير، وأن يقر أعيننا جميعًا بصلاح الرجال وصلاح النساء.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً