الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخشى أن أخطئ في اختيار العمل كما أخطأت في اختيار مسار الدراسة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سبق وأخطأت في اختيار مسار وتخصص دراستي، والآن أنا على وشك اختيار تخصص في العمل الذي سيحدد مستقبلي، وهو وظيفة التعليم، ويجب أن أختار بين مسلكين، ولم أعرف كيف أصلي الاستخارة لأحدد أيهما أختار، وهل تصح بالأساس صلاة الاستخارة في مثل هذه الحالة؟ لأن لدي تخوفًا من الوقوع في نفس خطأ الدراسة؛ لعدم معرفة الطريقة الصحيحة التي يجب الدعاء بها، هل أصلي لكل واحدة أم ماذا؟

جزاكم الله عنا كل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Salma حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، وحرصكِ على معرفة أحكام عباداتكِ قبل الفعل لها.

وقد أصبتِ الحقيقة -أيتها البنت الكريمة- حين أدركتِ أن صلاة الاستخارة ينبغي للإنسان أن يتعلمها كما علمها رسول الله ﷺ لنا، وقد جاءت أحاديث فيها بيان كيف تُصلَّى صلاة الاستخارة، وهي أن يصلي الإنسان ركعتين غير الفريضة في غير أوقات تحريم الصلاة؛ أي لا يصليها بعد أن يصلي العصر إلى المغرب، ولا بعد أن يصلي الفجر إلى أن ترتفع الشمس، فيصلي ركعتين بنية الاستخارة، ثم إذا صلى هاتين الركعتين يدعو بدعاء الاستخارة.

وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم كيفية تعليم النبي ﷺ لهم الدعاء؛ فعن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ"، يعني كان يعتني النبي ﷺ بتحفيظهم هذا الدعاء، ويطلب منهم أن يتقنوا حفظه، فيحفظوا كلماته وحروفه كما يحفظون السورة من القرآن.

قال جابر: يقول: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ...» ثم يسمي هنا الأمر الذي يريد أن يطلب من الله تعالى أن يختار له فيه الخير؛ يعني إن كان دراستي للمجال الفلاني خيرًا لي، أو كان عملي في المجال الفلاني خيرًا لي، وهكذا.

«اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي».

وهذا الدعاء دعاء الاستخارة، إذا كان طويلًا فيمكنكِ أن تجزئيه إلى أجزاءٍ حتى تتمي حفظه، والأفضل بلا شكٍّ أن تدعي ربكِ بهذا الدعاء، لكن إن لم تقدري عليه فاسألي الله تعالى: "إن كنت تعلم يا رب أن عملي في المجال الفلاني خيرٌ لي في ديني ودنياي وآخرتي فيسره لي، وإن كنت تعلم أنه شرٌّ لي في ديني ودنياي وآخرتي فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان".

فأصل الدعاء يحصل، ولكن الصيغة التي علمها النبي ﷺ هي الأفضل والأكمل، لا سيما وأنه كان يعتني ويهتم -عليه الصلاة والسلام- بحفظ الصحابة لها بحروفها.

بعد أن تصلي الركعتين وتسلمي من الركعتين تدعي بهذا الدعاء، ولا يُشرع بعد ذلكَ لكِ أن تنتظري أمارةً من الأمارات أو علامةً من العلامات لتدلكِ على نتيجة الاستخارة؛ فأنتِ سألتِ الله تعالى أن يختار لكِ، فما تيَسَّر لكِ بعد ذلكَ فلعل هو الذي اختاره الله -سبحانه وتعالى-.

ومع الاستخارة لله تعالى ينبغي مشاورة المخلوقين؛ فالتشاور مبدأٌ إسلاميٌّ مهمٌّ، وهو استنباطٌ واستنتاجٌ لنظرات العقول المختلفة، فينبغي أن تستشيري العقلاء ممن حولكِ ممّن لهم خبرةٌ ودرايةٌ بما تستشيرينهم به، ثم بعد ذلكَ توكلي على الله -سبحانه وتعالى-، واعلمي أن الخير فيما يُقدِّره الله.

وصلاة الاستخارة -أيتها البنت العزيزة- مشروعةٌ في كل شيءٍ مباحٍ يريد الإنسان أن يقدم عليه، أمَّا الفرائض التي فرضها الله علينا أو النوافل التي استحب الله لنا أن نفعلها فهذه لا يُستخار الله فيها؛ لأن الخير فيها معلومٌ، وأن الخير هو في فعلها.

والجانب الآخر: المحرمات التي نهانا الله تعالى عنها أو الأشياء المكروهة التي كرهها الله لنا؛ فهذه أيضًا لا يستخار الله تعالى فيها؛ لأن جانب الخير معروفٌ أنه في تركها.

أمَّا الأشياء المباحة التي لم يأمر الله بها ولم ينهَ عنها؛ فهذه لا نعلم الخير فيها، وهي التي نستخير الله تعالى من أجلها، مثل هذه الأمور التي أنتِ تريدين الاستخارة بسببها: تخصص دراسيٍّ، أو عمل في مجالٍ معينٍ، فهذه من الأمور التي تشرع لها الاستخارة.

نسأل الله أن يوفقكِ لكل خيرٍ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات