الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أصبت بفتور روحي منذ بدأت العمل .. أرشدوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أستاذة، عمري 29 عامًا، وأوشك أن أدخل عامي الدراسي الثاني في التدريس، أشكو إليكم فتورًا أصابني في جانبي الروحي منذ بدأت العمل، ولا أعرف سببه.

فقد كنتُ في سنوات الجامعة، وما تلاها من سنوات التفرغ في البيت، مع كتبي ونقاشاتي ومحادثاتي الفكرية والدينية على مواقع التواصل، أجد حلاوة عظيمة في الصلاة والذكر والتأمل، وكان قلبي يأنس بمناجاة ربي أشد الأنس.

فلما باشرت العمل وتكاليفه، من تحضير الدروس، ووضع الاختبارات، وإدارة الفصل، والانشغال بالمعاملات الرسمية، ومكابدة سوء أدب المراهقين يوميًا في مدرسة حكومية، بدأت أحس بجفاف في قلبي، حتى الذكر الذي كان قوت روحي أصبح يمر على لساني دون أن يخالط قلبي.

فما سبب هذا الفتور في نظركم؟ وكيف السبيل إلى استعادة تلك الحلاوة التي كنت أجدها، مع ما أنا فيه من انشغال وكثرة أعباء؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ روان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أختنا الكريمة، بارك الله فيك، وأعانك على رسالتك، وشرح صدرك، ورزقك حلاوة الإيمان والرضا والسكينة.

بدايةً: نشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب وطلب المشورة، ومن المفيد أن أبدأ معك بالجانب المشرق في رسالتك؛ فأنت تعملين في مهنة عظيمة، هي مهنة التعليم والتربية، وهي من أشرف المهن وأعظمها أثرًا؛ لأن المعلم لا ينقل المعلومات فحسب، وإنما يسهم في بناء الإنسان، وتكوين شخصيته، وإصلاح المجتمع.

وهذه الرسالة من جنس ما بعث الله به الأنبياء والرسل من تعليم الناس وهدايتهم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران:164]، ولذلك فإن صبرك على طلابك، وتعليمك لهم، واحتمالك مشقة العمل، إذا صلحت فيه النية، يمكن أن يتحول إلى عبادة وأجر عظيم عند الله.

ومن خلال كلامك يتضح أن الفتور لم يكن جزءًا أصيلًا من شخصيتك، وإنما ظهر بصورة واضحة بعد انتقالك من مرحلة إلى أخرى في حياتك؛ فقد كنت في سنوات الجامعة وما بعدها أكثر تفرغًا لكتبك، ونقاشاتك، ومحادثاتك الفكرية والدينية، وكان لديك وقت أوسع للتأمل والعبادة، ثم انتقلت إلى حياة مهنية مليئة بالمسؤوليات، والمواعيد، والتحضير، والاختبارات، وإدارة الفصل، والمعاملات الرسمية، إلى جانب التعامل اليومي مع طلاب في مرحلة المراهقة وما يصاحبها من تحديات.

ومن الطبيعي أن تُحدث مثل هذه التغيرات المهمة في حياة الإنسان شيئًا من الفتور، وضعف الرغبة في بعض جوانب حياته، خاصة مع تغير طبيعة الحياة، وكثرة ضغوط العمل، وقلة الخبرة في بداياته.

ومن الرائع في كلامك أنك تملكين القدرة، ولكنك تفتقدين الرغبة كما كانت من قبل، وهذه نقطة مضيئة؛ لأن الأصل موجود، والذاكرة الروحية الجميلة موجودة، وتجربتك السابقة مع العبادة ومناجاة الله دليل على أن قلبك عرف هذا الطريق من قبل.

كما أن شعورك بأن للصلاة والذكر والتأمل حلاوة، وأن قلبك كان يأنس بمناجاة الله، نعمة عظيمة، وأساس قوي يمكنك العودة إليه بإذن الله، فلا تنظري إلى ما أنت فيه الآن وكأنه نهاية الطريق أو دليل على فساد قلبك، وإنما هو مرحلة تحتاج إلى إعادة ترتيب، واستعادة تدريجية للتوازن.

وقد يكون جزء من هذا الفتور مرتبطًا بالانشغال الحياتي؛ فالإنسان يتأثر بما يملأ يومه وعقله وقلبه، والحالة الإيمانية بطبيعتها ترتفع بالطاعة والذكر والقرب من الله، وقد تضعف عندما يطول الانشغال، وتقل مساحة العبادة والتأمل والخلوة مع الله.

والقلب يتقلب، والمؤمن يحتاج إلى تعاهده باستمرار، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى»؛ فالفتور من حيث الأصل أمر قد يمر به الإنسان، والمطلوب ألّا يتحول إلى انقطاع، بل أن يستعيد الإنسان توازنه، ويعود إلى الطريق.

كما أن ضغوط العمل تبدو واضحة في تجربتك، ومن المحتمل أن يكون لها أثر مباشر في حالتك النفسية والروحية؛ فالتحضير المستمر، وإدارة الصف، والتعامل مع السلوكيات الصعبة، وكثرة الأعمال الإدارية، قد تؤدي مع الوقت إلى الإجهاد النفسي والاحتراق الوظيفي، وهو أمر قد يظهر في المهن التعليمية بصورة خاصة؛ إذ يبذل المعلم جهدًا ذهنيًا وانفعاليًا كبيرًا بصورة يومية.

وفي بداية المهنة قد يكون الأمر أكثر صعوبة بسبب قلة الخبرة في إدارة الوقت والفصل والتعامل مع المواقف المتكررة، لكن الإنسان غالبًا يكتسب مع الوقت مهارات تساعده على تنظيم جهده، ووضع الحدود، والتعامل مع المواقف دون أن تستنزفه كما كانت تفعل في البداية، وقد تتحول مهنة التعليم نفسها تدريجيًا من مصدر ضغط إلى مصدر رضا وسعادة، عندما تكتسبين الخبرة وتكتشفين أثر رسالتك في طلابك.

ولهذا: لا تحاولي استعادة حياتك الروحية القديمة بالطريقة نفسها التي كنت تعيشينها قبل العمل؛ لأن ظروفك تغيرت، وما تحتاجينه الآن هو صورة جديدة ومتوازنة من حياتك الإيمانية تناسب مرحلتك الحالية، فلا تنتظري ساعات طويلة من الفراغ حتى تقرئي القرآن، أو تتأملي، أو تطيلي العبادة، بل اجعلي لك أعمالًا يسيرة ثابتة خلال اليوم، مثل:

• اجعلي لك وردًا يوميًا من القرآن، ولو صفحات قليلة.
• حافظي على أذكارك في طريقك إلى العمل، وعلى الاستغفار أثناء بعض الأعمال التي لا تحتاج إلى تركيز.
• اجعلي لدعائك في السجود نصيبًا من حضور القلب ومناجاة الله.
• صلي ركعتين بهدوء قبل النوم متى تيسر لك ذلك.
• حاولي أن يكون للصلاة نصيب من حضور القلب، وألّا يكون الهدف مجرد أدائها بسرعة بسبب ضغط اليوم.
ثم زيدي هذه الأعمال تدريجيًا عندما تستعيدين طاقتك.

ومن المفيد أيضًا أن تجعلي لك خلوة قصيرة ثابتة مع الله، ولو عشر دقائق يوميًا، بعيدًا عن الهاتف والعمل والرسائل؛ تجلسين فيها بهدوء، وتقرئين شيئًا ولو يسيرًا من القرآن، ثم تدعين الله بما في قلبك؛ فالعبادة ليست معلومات وأورادًا فقط، وإنما هي صلة قلب بالله.

كما يمكنك أن تعودي إلى بعض الكتب الإيمانية التي كنت تستمتعين بها، ولكن دون أن تحولي الأمر إلى مشروع دراسي جديد يضيف إلى أعبائك؛ اختاري شيئًا يسيرًا ينعش قلبك بدلًا من أن يثقل عليك.

كما ننصحك -أختنا الكريمة- ألّا تهملي الجانب الجسدي والنفسي؛ فقلة النوم، والإرهاق المستمر، وقلة الحركة، قد تجعل الإنسان أكثر فتورًا وضيقًا، ولذلك:
• حاولي الحصول على قدر مناسب من النوم.
• مارسي المشي أو الرياضة عدة مرات أسبوعيًا.
• اهتمي بغذائك، وخذي فترات قصيرة للراحة أثناء أيام العمل.
• لا تجعلي كل وقتك موزعًا بين المدرسة والمنزل والتحضير.
• اجعلي للترفيه المباح، والجلوس مع الأسرة، ومقابلة الصديقات، والمشاركة في نشاط اجتماعي إيجابي نصيبًا من وقتك؛ فهذه الأمور ليست مناقضة للروحانية، بل قد تكون من أسباب استعادة التوازن النفسي والطاقة.

وحاولي كذلك أن تضعي حدودًا واضحة للعمل؛ فليس مطلوبًا أن تحملي مهام المدرسة معك إلى البيت طوال اليوم، ويمكنك الاستعانة بما يأتي:
• حددي وقتًا للتحضير والتصحيح، ثم أغلقي ملفات العمل قدر الإمكان.
• تعلمي، مع مرور الوقت، أن تفرقي بين ما هو ضروري وما هو مثالي يمكن تأجيله.
• لا تجعلي سوء أدب بعض الطلاب أو تجاوزاتهم حكمًا على نجاحك معلمةً؛ فأنت مسؤولة عن بذل ما تستطيعين، ولست مسؤولة عن التحكم في كل طالب وكل تصرف.
• تذكري أن بعض أثر المعلم قد لا يظهر في اللحظة نفسها، وربما تتذكر طالبة بعد سنوات كلمة طيبة منك، أو موقفًا تربويًا، أكثر مما تتذكر درسًا كاملًا.

وننصحك بالمحافظة على صحبتك الطيبة، والابتعاد عن العزلة، والبحث عن زميلة صالحة أو صديقة واعية تستطيعين الحديث معها؛ فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى من يسمعه ويشاركه همومه.

وإذا كان لديك مجال للمشاركة في أنشطة اجتماعية أو تطوعية نافعة، فافعلي ما يناسب وقتك وطاقة جسمك؛ لأن الخروج من دائرة العمل والواجبات إلى مساحة من العطاء والتواصل قد ينعش النفس، ويعيد إليها الشعور بالمعنى.

ولا تلومي نفسك كلما شعرت بالفتور، ولا تقارني وضعك الحالي بظروف مرحلة الدراسة الجامعية؛ فالإنسان في كل مرحلة له طاقته وظروفه ومسؤولياته، والمطلوب إذًا ليس أن تعودي نسخة مطابقة لما كنت عليه، وإنما أن تظلي متصلة بالله مهما تغيرت الظروف.

وقد يكون من علامات النضج الإيماني أن تعبدي الله أحيانًا وأنت متعبة، وأن تحافظي على الصلاة والذكر، ولو لم تشعري بالحلاوة نفسها التي كنت تشعرين بها سابقًا؛ فصدق العبودية لا يقاس دائمًا بمقدار الشعور، وإنما بالاستمرار والثبات.

وإذا شعرت أن الفتور لم يعد مقتصرًا على الجانب الروحي، بل أصبح يمتد إلى جوانب أخرى من حياتك، فانتبهي إلى بعض العلامات، ومنها:

• فقدان واضح للمتعة في معظم جوانب الحياة.
• الإرهاق الشديد والمستمر.
• اضطراب النوم.
• الحزن المستمر مدة طويلة.
• التراجع الكبير في قدرتك على أداء عملك.

فإذا ظهرت لديك هذه الأعراض، فمن المناسب أن تنظري إلى الأمر أيضًا من الناحية النفسية، وأن تستشيري مختصًا نفسيًا موثوقًا؛ لأن الاحتراق الوظيفي أو بعض الاضطرابات المزاجية قد تتشابه أحيانًا مع ما نسميه «جفاف القلب»، ولا ينبغي أن نفسر كل معاناة نفسية تفسيرًا إيمانيًا فقط.

ولا تنظري إلى دخولك عالم التعليم على أنه السبب الذي أخذ منك روحك، بل ربما يكون هذا هو الميدان الجديد الذي ستتعلمين فيه كيف تحافظين على روحك وسط الانشغال، لا بعيدًا عنه، واجعلي كل صباح قبل دخول المدرسة نية صالحة، وقولي: «اللهم اجعل تعليمي نافعًا، واجعل صبري على طلابي في ميزان حسناتي، وأصلح بي، ولا تكلني إلى نفسي».

وحين تواجهين موقفًا صعبًا، احتسبي صبرك لله، وعندما تعودين إلى بيتك، اتركي ما استطعت من أعباء العمل عند باب البيت، ثم عودي إلى نفسك، وأسرتك، وعبادتك.

واعلمي -أختنا الفاضلة- أن وصولك إلى مرحلة تسألين فيها عن علاج هذا الفتور دليل على أن قلبك ما زال يريد القرب من الله، وأنك لم تستسلمي للبعد عنه، فلا تجعلي الشعور بالجفاف سببًا للابتعاد أكثر، بل اجعليه دافعًا للعودة بخطوات ثابتة.

أسأل الله أن يشرح صدرك، ويبارك في علمك وعملك، ويجعل التعليم رسالة وأجرًا وسعادة لك، ويرزقك فيه الإخلاص والقبول، ويعيد إلى قلبك أنسه بالله وحلاوة مناجاته، ويجعل لك في كل تعبٍ تبذلينه في تربية أبنائنا وتعليمهم نصيبًا من الأجر الذي يبقى لك عند الله تعالى.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً