الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخي ينتج المعازف والموسيقى ولا يقتنع بنصحي وكلامي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لديَّ بعض الالتزام -والحمد لله- وعندي أخ أكبر مني ينتج الموسيقى والمعازف، ويساعد في نشرها، ويُعلِّم غيره أيضًا، كما أنه يصلي أحيانًا، وأحيانًا لا يصلي، ويدخن السجائر الإلكترونية.

نصحته أكثر من مرة، لكنه يقول إنه غير مقتنع بكلامي، ولا حتى بالأدلة التي أذكرها له، وكان أبي وأمي يدعمانه منذ صغره، حتى رأوا ما آل إليه من التدخين وغيره من الأمور السيئة، فعاقباه.

لكن بعدما أصبح يحقق دخلًا ماديًا، عادا إلى دعمه، بل وتشاجرا معي؛ لأنني كنت أقول لهما إن ماله حرام، عندما كان يريد أن يعطيني بعضًا منه.

سؤالي: كيف أساعده؟ فقد جربت كل الطرق، ولم يستمع إليَّ، ويقول إن ما يفعله فن، وأنا أتألم كلما خرج من المنزل، وكل تفكيري أن يعود سالمًا، وأن يتوفاه الله وهو تائب، لكنه الآن أصبح من أكبر المنتجين في هذا المجال، وأخشى أن يموت على غفلة ويدخل النار.

فماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ كنزي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك حرصك على أخيك وخوفك عليه، وهذا أمر طيب يدل على حسن في خلقك، ورحمة في طبعك، وحسن في إسلامك، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدىً وصلاحًا، وأن يجري الخير على يديك، ويجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر.

بدايةً نقول -أيتها البنت الكريمة-: ينبغي أن تفرقي بين النصيحة لأخيك وبين تحمل مسؤولية هدايته؛ فالهداية بيد الله تعالى وحده.

فإذا تذكرتِ هذه الحقيقة، فإنك ستريحين نفسك من الصراع الدائم معه أو مع والديك، وستدركين أن عليك أن تأخذي بالأسباب بهدوء ولطف، وتؤدي الحقوق التي عليك، وتوكلي الأمر بعد ذلك إلى ربك ليتولى إحسان النتائج.

وقد أحسنتِ -أيتها البنت الكريمة- حين نصحتِ أخاك أكثر من مرة، وبيَّنتِ له ما تعتقدين بالدليل، ولكنه يقول إنه غير مقتنع؛ لذلك لا تجعلي تكرار النقاش هو الوسيلة الوحيدة للدعوة، بل اختاري أوقاتًا هادئة، وتحدثي معه بصفتك أختًا له تحبينه وتخافين عليه، لا بصفة الخصومة والجدال للانتصار.

ولا تجعلي كل كلامك معه عن الموسيقى، والدخان، وترك الصلاة، بل المطلوب أن تحافظي على علاقة طيبة به، وتكوني قريبةً منه؛ لتحافظي على مكانتك في قلبه، وتتحيني الفرص المناسبة التي ترينه فيها مستعدًا للحوار، فتناقشينه في أصل المسألة بهدوء، وتستعينين على الإقناع بوسائله، ومن ذلك: أن تستعيني بكلام عالم يثق هو فيه؛ لتفنيد ما لديه من الشبهات الحقيقية.

وينبغي -أيتها البنت الكريمة- أن تتنبهي لأمور أخرى:

• أول هذه الأمور: لا تحكمي عليه بأنه من أهل النار بسبب معصيته؛ فخواتيم الناس غيب لا يعلمه إلا الله، وقد يتوب الإنسان في آخر حياته توبةً صادقةً، فيكتب الله تعالى له رضوانه.

• ثانيًا: ينبغي أن تكثري من الدعاء له، وخاصةً في الأوقات التي يعظم فيها رجاء الإجابة، فتدعين له بالهداية، وتقولين: «اللهم اهدِ أخي، وأصلح قلبه، وردَّه إليك ردًّا جميلًا».

• ثالثًا: لا تدخلي في خصومة مستمرة مع والديك بسبب هذا الأخ، فإن كنت ترين أن المال الذي يكسبه محرَّم؛ لكون المجال الذي يعمل فيه ويكسب من ورائه هذا المال حرامًا، فيمكنك أن تتورعي أنت عن أخذ هذا المال، دون أن تدخلي في شجار مع أحد، وخاصةً الوالدين، أو أن تقعي في قطيعة الرحم.

ابنتنا الكريمة، أنت ذكرتِ في سؤالك أن أخاك يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، وهذا جانب لا يزال مؤشرًا على أن في أخيك قدرًا من الخير، فلا تيأسي منه، ولا تيأسي من محافظته على الصلاة، وشجعيه عليها بقدر استطاعتك، وحاولي أن تبيِّني له الجانب الإيجابي في شخصيته في هذا الجانب؛ فإنها إذا صلحت صلاته، صلحت بقية حياته بإذن الله تعالى.

ابنتنا الكريمة، لمسنا من كلامك أنك قد بلغتِ مرحلةً متقدمةً جدًّا في الخوف على أخيك، خوفًا شديدًا؛ وذلك لأنك تحبينه حبًّا كبيرًا، وهذا شيء جميل، ولكن لا ينبغي أن تجعلي الخوف يتحول إلى قلق يستهلك حياتك، ويدخلك أنت في دائرة من الهم والحزن، وربما يقطعك عن الإنتاج الحقيقي النافع.

كرري النصح له ما استطعتِ، وأكثري من الدعاء له، ولكنك لا تستطيعين أن تتحكمي في اختياراته، والله تعالى قد قال في كتابه لنبيه ﷺ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56].

ولا تنسي أبدًا أن الإنسان قد يتغير في لحظة من اللحظات بسبب كلمة، أو موقف، أو نحو ذلك، فكوني أنت الأخت الرفيقة الرحيمة التي يجد أخوك فيها العون، والسند، والحرص على مصلحته، وسيتأثر بمواقفك أكثر من تأثره بكلامك.

نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يزيدك حرصًا على الخير والنصح، وأن يجري الخير على يديك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً