الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعبت من كثرة المسؤوليات كوني الابنة الكبرى، فما نصيحتكم لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرًا، وأعتذر عن الإطالة، وأرجو أن تقرؤوا رسالتي، وتشيروا عليَّ برأي سديد.

أنا البنت الكبرى في أسرتي، والحمد لله، خريجة جامعة، ومعلمة قرآن متطوعة، وقد مكثت ما يقارب السنتين دون عمل رسمي، وكنت أساعد أمي في أمور البيت، خاصةً أنها كانت تعتني بجدتي، وألغيت كثيرًا من فرص العمل، والكثير من الأمور من أجل ذلك، وخاصةً عندما اقتربت إحدى المناسبات المهمة عندنا، فقد أهملت فعلًا كل شيء يخصني، وتفرغت لمساعدة أمي، إلَّا حفظ القرآن فلم أتركه.

وبعد مرور تلك المناسبة، تعبتُ كثيرًا، وأصبحتُ لا أقبل أي عزيمة من العزائم؛ لأنني أعرف أنني سأتعب، وبسبب معارضتي لأمي انزعجت، وظنت أنني أعارضها لمجرد المعارضة، ولكنني كنتُ أعارضها لأنني لا أستطيع رؤية أمي تعمل وحدها، رغم وجود أخواتي اللواتي كن يدرسن أو يعملن.

ومنذ أن دخل جهاز الواي فاي إلى المنزل زاد الطين بلةً، وانقلب كل شيء رأسًا على عقب، وأصبحتُ -دون سابق إنذار- ألعب دور الأم، فأمي لم تعد تنهى عن الأمور التي تربينا على اجتنابها، بل تترك لإخوتي المجال، وأنا أتحمل المسؤولية، فأصبحتُ -دون شعور- أنهاهم عن ذلك، وهم يمضون الساعات الطوال على الهاتف، ثم ماذا؟

أصبح الجميع ينزعج مني، حتى أمي، وأنا (والله) إنما أنصح بدافع النصح، ولأنني طالبة في علوم الشريعة إلكترونيًا، فإنني أنصحها أو أصحح بعض المفاهيم فقط، كما أنني كنتُ لا أرضى بأشياء ربوني هم على اجتنابها، مع أنها من العرف، بينما إخوتي يفعلونها الآن بصورة عادية تمامًا، فمثلًا: كان من الممنوع عندنا في المنزل أن يستيقظ أحد صباحًا، ويبقى يشاهد التلفاز، وأمامه الكثير من الأعمال، أما الآن، فيمضون أحيانًا ساعات قبل أن يتحركوا.

وأصبحتُ أشعر أن كلامهم جارح في حقي، إضافةً إلى أنني كنت أمتنع عن بعض الأمور من أجل أخواتي، حتى لا ينزعجن، ونكون سواسيةً، ولكن الأمر على العكس من ذلك، فهم لا يتوانون لحظةً واحدةً عن عيش حياتهم، دون أن يستأذنوني أحيانًا حتى، أو يقولوا لي مثلًا: هل تذهبين معنا؟ ونحو ذلك.

وقد استفحل الأمر، حتى إنني عندما أواجههم، تتبرأ أمي من مسؤولياتها، وأصبح أنا التي أخطأت، فمثلًا، حينما أقول لها: "امنعيهم عن ذلك يا أمي"، تتكلم وكأنني أنا من طلبت منها ذلك، وليس هو الأمر المطلوب منها، وأشعر فعلًا وكأنني أذنبت، فماذا أفعل؟!

أحيانًا أقول: سأتصرف مثل إخوتي، ولكنني أشعر أن بعض الأمور قد تكون من عقوق الوالدين، فلا أستطيع أن أسمع أمي تطلب شيئًا ثم أجلس؛ لأنني أخاف من العقوق، وفي الوقت نفسه، يحمّلني هذا مسؤوليات كبيرة، وأجد أنني وحدي التي أُحاسب عليها.

دلوني على التصرف الصحيح، وكيف أتعامل مع هذه المسؤوليات دون أن أقع في العقوق أو أحمّل نفسي ما لا أطيق؟ وكيف أعالج هذا الأمر بطريقة تحفظ علاقتي بأمي وإخوتي، وفي الوقت نفسه تحفظ لي حقي وراحتي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أمل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويعينك على بر والديك، وأن يرزقك الحكمة والسداد في التعامل مع أسرتك.

لا داعي للاعتذار عن الإطالة، فرسالتك كانت واضحةً وصادقةً، وقد لمسنا فيها إرهاقًا حقيقيًا، وشعورًا عميقًا بالظلم، يستحق أن يُسمع ويُفهم قبل أن يُعالَج.

فهمنا من رسالتك -أختنا الكريمة- أنك الابنة الكبرى التي حملت على عاتقها مسؤولية البيت بعد انشغال والدتك برعاية جدتك، وأنك ضحيت بفرص عملك ووقتك الخاص من أجل أسرتك، ثم وجدت نفسك بعد ذلك وقد تحول هذا العطاء إلى عبء دائم يُطلب منك دون أن يقابَل بالشكر، بل يقابَل أحيانًا باللوم، ولا شك أنه شعور مؤلم أن يُساء فهم نيتك الطيبة، وأن تجدي نفسك محاسبةً على أمر لم تطلبيه أصلًا.

ويمكن أن ننظر إلى هذه المشكلة من زاويتين:

الأولى: أن هناك خللًا في توزيع المسؤولية داخل البيت، فقد أصبحت أنت من تتحملين دور الرقابة والتوجيه، بدلًا من أن يكون هذا دور والدتك، وهذا وضع غير عادل لك، فالمسؤولية عن الإخوة وتربيتهم وتوجيههم ليست منوطةً بك أصلًا، يقول النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» رواه البخاري ومسلم.

وهذا يعني أن كل فرد مسؤول عن دوره، لا عن دور غيره، فوالدتك مسؤولة عن توجيه إخوتك، وأنت لست مطالبةً بأن تحملي هذا الدور نيابةً عنها، مهما بلغ حبك لهم وحرصك عليهم.

والثانية: أن هناك خلطًا لديك ولدى أسرتك حول معنى البر والطاعة، فأنت تخافين أن يكون رفضك لبعض الطلبات عقوقًا، بينما البر له ضوابط، وطاعة الوالدين إنما تكون في المعروف، وليست في كل ما يُطلب، يقول النبي ﷺ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» رواه البخاري ومسلم.

لكن مجرد كون بعض المسؤوليات مرهقةً لا يعني أن الاعتذار عنها جائز في كل حال، بل يُنظر في طبيعة الطلب، وحاجة الوالدين، وقدرتك عليه، ومدى الضرر الواقع عليك، مع الحرص على الرفق وحسن الخطاب، وعدم التضجر، قال الله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، فالمطلوب أن تجمعي بين الإحسان إلى والديك، ومراعاة قدرتك وظروفك، دون إفراط أو تفريط.

ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:

• أولًا: أن تعيدي رسم حدود مسؤولياتك بوضوح، بمعنى أن تحددي ما هو من صلب واجباتك تجاه أسرتك، وما هو زائد عليها تطوعت به من قبل، فما تطوعت به مدةً طويلةً لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى مسؤولية دائمة تُحاسبين عليها.

• ثانيًا: أن تتحدثي مع والدتك بهدوء، وبعيدًا عن لحظات الانفعال، لا لتصحيح تصرفات إخوتك، بل لتوضيح شعورك أنت، فقولي لها بلطف إنك تحبين مساعدتها، لكنك تتعبين حين تُحمَّلين مسؤولية التوجيه والمحاسبة وحدك، واطلبي منها أن تتولى هي هذا الدور مع بقية الإخوة.

• ثالثًا: أن تتوقفي عن دور المصحح أو الناصح الدائم لإخوتك في تفاصيل يومهم، فالنصح له وقته وأسلوبه، وليس كل خطأ أو ملاحظة تستحق أن تُقال، خاصةً إذا كانت تتكرر دون جدوى، وتستنزف علاقتك بهم، فالنصيحة المتكررة قد تتحول إلى نوع من الرقابة التي ينفر منها الناس، ولو كانت بنية طيبة.

• رابعًا: أن تمنحي نفسك وقتًا خاصًا بك، وألا تشعري بالذنب حين تعتذرين عن أمر زائد يفوق طاقتك، مع المحافظة على ما يجب عليك من حقوق والديك، فراحتك واحتياجاتك المشروعة لها نصيب من وقتك وحياتك.

• خامسًا: إن أحسست أن التعب النفسي الذي وصفتِه بدأ يؤثر في نومك، أو مزاجك، أو قدرتك على أداء واجباتك اليومية بصورة مستمرة، فمن الحكمة أن تستشيري مختصًا نفسيًا، فطلب المساعدة في مثل هذه الحالات وسيلة نافعة للمحافظة على توازنك النفسي، وتحسين تعاملك مع من حولك.

وحتى لا يتحول هذا الموقف إلى جفوة بينك وبين والدتك، فإليك بعض ما يعينك على تقوية العلاقة معها في هذه المرحلة:

• اغتنمي أوقات هدوئها للجلوس معها دون نصح أو نقاش، وليكن بينكما حديث ودي عابر عن أحوالها، وصحتها، وذكرياتها، وما يسعدها، فهذا يذكرها بأنك ابنتها قبل أن تكوني عونًا لها في البيت.

• عبري لها عن تقديرك وحبك بالكلام الصريح، فالأمهات يحتجن إلى سماع كلمات الامتنان، ولا ينبغي أن نفترض دائمًا أنها مفهومة ضمنًا، وكلمة صغيرة، مثل: "جزاك الله خيرًا يا أمي على تعبك معنا كل هذه السنين"، قد ترقق قلبها تجاهك أكثر مما تتوقعين.

• اختاري وقت هدوئها، لا وقت انشغالها أو تعبها، إذا أردت أن تفتحي معها موضوعًا حساسًا، فتوقيت الحديث لا يقل أهميةً عن مضمونه.

• أشركيها في أشياء تحبينها أنت أيضًا، كإعداد طعام معًا، أو نزهة قصيرة، أو أي نشاط تستمتعان به، فهذا يبني بينكما ذكريات جديدةً بعيدًا عن أجواء المسؤولية والتوتر.

• أكثري من الدعاء لها في سجودك، فالدعاء للوالدين ممَّا يُعين على صفاء القلب وحسن الصلة بهما، وقد سئل النبي ﷺ: «مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري ومسلم)، وهذا يبين عظم مقامها وحقها مهما بلغ التعب بينكما.

• تذكري تعبها معكم وأنتم صغار كلما ثقل عليك موقف معها الآن، فتذكر الفضل السابق يعين على احتمال ما يشق من مواقف الحاضر.

أختنا الكريمة: إن العلاقة بالأم لا تُقاس بلحظة توتر عابرة، مهما بلغت حدتها، وقد قال الشاعر حافظ إبراهيم في وصف مكانتها:
الْأُمُّ رَوْضٌ إِنْ تَعَهَّدَهُ الْحَيَا ** بِالرِّيِّ أَوْرَقَ أَيَّمَا إِيرَاقِ

فالشاعر يشبه الأم بالروضة التي إذا تعاهدها المطر بالرعاية والسقيا أورقت وأثمرت، وكذلك فإن البر بالأم، والإحسان إليها، والاهتمام بها، مما يزيد المودة ويقوي الصلة بينكما، فاحرصي على نصيبك من المبادرة بالخير، مع تنظيم مسؤولياتك، وعدم تحميل نفسك دور الأم والمربية لإخوتك.

نسأل الله أن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويعينك على بر والديك، ويؤلف بين قلوبكم، ويرزقك الحكمة والرفق، ويهديك سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً